أكثر ما استفزّنى فى احتفالية العار فى قرية ميت عاصم، الولد اللى لابس تيشيرت برتقالى، وهو يمسك الموبايل بيده اليسرى ويصفع إسلام باليمنى، ويسقطه أرضًا، وظللت أبحث عن شكله فى طابور العرض فى الصورة التى نشرتها وزارة الداخلية كى أشفى غليلى.
وأكثر ما استفزّنى «العمدة الآلى» الذى جاء مهرولًا لاستكمال وليمة الصفع، وكل ما فعله «ضرب الولد قلم»، ثم يتباهى ببطولته الخارقة وحسبه ونسبه، وظللت ساعات أنتظر خبر إقالته وتقديمه للمحاكمة، ويبدو أن الصفع أمر عادى، فى عالم الأسياد والعبيد.
وأكثر ما استفزّنى الأم والجدة وسعادتهما بنجاح «زفة استرداد الشرف»، ولازم يكون نسلهم من نفس نوع الذين شاهدناهم، فى ليلة لم تنم فيها العيون وانحشرت فيها الدموع.
استفزّنى أيضًا «المحللون النفسيون» المطالبون بدراسات نفسية واجتماعية، فما حدث يحتاج سيف القانون الباطش والعدالة الباترة، وليس جلسات التوبة.
أما الجد الذى ظهر فى فيديو الإفك والكذب، فهو تجسيد لأخلاق عائلته، ويخترع من رأسه المريض حكايات عن خطف البنت يعجز عنها «أبو لمعة»، كان يتحدث بلسانه وتفضحه عيناه وتقول له: أنت كاذب.
نحن شاهدنا ما حدث علانية فى الشارع، ولم نشهد ما حدث فى الغرف المغلقة، فأفقد «إسلام» النطق، وجعله مستسلمًا لمصيره، لدرجة أنه كان يرفع يده أحيانًا ليرد التحية لمن يصفعه.
القرية كلها استفزّتنى وهى تتفرج باستمتاع، دون أن ينبض «عرق نخوة» فى أى مواطن ويقول لهم: «كفاية، عيب» ،وكأن ما يحدث أمر عادى اعتادوا عليه.. التواطؤ الجماعى ليس ظاهرة استثنائية، بل وصمة عار، أليس منكم عاقل يقول: لا، عيب؟ وبعضكم وقف يشمت ويصفق، فى احتفالية الخزى والعار.
شكرًا وزارة الداخلية التى تحركت بسرعة لطمأنة الرأى العام، وأننا نعيش فى دولة وليس غابة، وارتاح الرأى العام كثيرًا بعد نشر صورة طابور المتهمين التسعة.
وشكرًا للنيابة العامة التى أعلنت حالة الطوارئ القصوى لتحقيق العدالة، وبذل أعضاؤها جهودًا جادة فى تحقيقات مطولة، فى مواجهة متهمين يتسلحون بالكذب والخداع والمكر.
شكرًا للرأى العام مفجر ثورة الغضب، ليؤكد أن البلد لسه فيها خير، وأن الناس دمها حامى ولا تقبل الظلم، وأن هذه البقع السوداء من الثوب لا تعبر عن جموع المصريين.
فقرة نشرتها فى مقال منذ عدة سنوات:
فى مسلسل «الأسطورة»، تم تجميل المجرم «ناصر الدسوقى»، وهو يقتل خصمه بالرصاص فى بير السلم، ويخنق زوجته فى الفراش بسبب شائعة مغرضة، ويفجر رأس صديقه وولى نعمته برصاصة نافذة فى الرأس.
وتسقط دموع البراءة من عينى المجرم، وتكتسى ملامحه الطفولية بالطهر والنقاء، فيظهر فى ثوب الطيب الورع الشريف، الذى «يحبب» الناس فى القتل وسفك الدماء.. ويا ويلنا حين يتحول الفن إلى رصاص طائش.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







