الأسعار وحرب «الإيمو» العظمى!

عمرو جلال
عمرو جلال


الطيور نفذت تكتيك حرب العصابات مما جعل استخدام الطلقات ضدها عبثًا!!.

حكاية عجيبة وقعت فى أوائل الثلاثينيات بغرب أستراليا.. المزارعون وقعوا فى أزمة كبرى كادت أن تحول بلادهم إلى مجاعة.. الجفاف أصاب -لأول مرة- منطقة هجرة طيور «الإيمو» العملاقة بالقارة الأسترالية، وهى طيور تشبه النعام.. أكثر من 20 ألفًا من أسرابها حولت اتجاهها نحو منطقة محاصيل القمح، وبدأت فى أكل كل شىء فى طريقها، مما شكل ضربة قاصمة للمزارعين.. قررت الحكومة الأسترالية حل المشكلة بإرسال حملة تطهير كبرى مجهزة ببنادق آلية و10 آلاف طلقة للقضاء على المخلوقات المخربة!!.. ظن الناس أن المشكلة حسمت.. المفاجأة كانت فشلًا ذريعًا.. طيور «الإيمو» نفذت تكتيك حرب العصابات، وسرعان ما قسمت أسرابها إلى وحدات صغيرة لا حصر لها، مما جعل استخدام الطلقات ضدها عبثًا؛ فبمجرد إطلاق النار تهرول كل مجموعة صغيرة من ٣ طيور فى اتجاه مختلف بسرعة 50 كيلومترًا فى الساعة، مع وجود طيور كانت مهمتها المراقبة وإصدار أصوات التحذير عند سماع أول طلقة.. بعد حوالى شهر انهزمت قوة المكافحة لتكون صفعة للبيروقراطية الحكومية.. المؤرخون أطلقوا على تلك الواقعة اسم حرب «الإيمو» العظمى، فقد أثبتت هذه الطيور ذكاءً فطريًا ومناورة مذهلة وحققت انتصارها الأعظم أمام قدرات البشر.. تم استخدام 2500 طلقة ذخيرة مقابل قتل حوالى 100 فقط من طيور الإيمو!!

هذا المشهد العبثى يكاد يتكرر اليوم فى أسواقنا، ولكن بوجوه بشرية.. «الاحتكار اللعين» يمثل نسخة من طيور «الإيمو» الأسترالية فالمحتكر ليس مجرد تاجر، بل هو «قناص فرص» يمتلك من المرونة والقدرة على المناورة ما يجعله يسبق طرق المواجهة الحكومية التقليدية بخطوات.. بمجرد أن اقترب شهر رمضان على الأبواب إلا وقام هؤلاء المحتكرون بزيادة الأسعار دون وجود أى مبرر للزيادة.. فى كتب الاقتصاد يقولون إن الاحتكار هو «خنق متعمد» لآليات العرض والطلب، حيث يتعمد المحتكرون خلق ندرة مصطنعة ترفع الأسعار بجنون، مستغلين فى ذلك أى ثغرات فى الرقابة، كما أنهم أسرع من أى تحرك حكومى. وهنا تبرز الأهمية القصوى لتكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسى الثمانية للحكومة الجديدة.. ولأول مرة خلال تعديل وزارى تصدر معه بل وقبل أداء الوزراء الجدد ونوابهم اليمين الدستورية تكليفات رئاسية معلنة ومحددة الأهداف للحكومة، لم تكن مجرد توجيهات عابرة، بل هى «آليات عمل» تم إعلانها أمام المصريين جميعًا لتكون ملزمة التنفيذ.

لقد شدد الرئيس على عنصرى «الكفاءة والفعالية» لتحقيق الجدارة وضمان جودة الأداء فى جميع المؤسسات الحكومية والخدمية وهو أهم تكليف؛ فالمواجهة الحقيقية مع الأزمات وخاصة غلاء الأسعار لا تحتاج لـ«استعراض» بالقرارات الورقية أو الحملات الميدانية فقط، أو حلول تقليدية، بل تحتاج إلى «مشرط جراح» يعرف الداء والدواء وقادر على إزالة أورام الهياكل الاحتكارية الخبيثة الملتصقة بالسوق المصرى.

خبراء الاقتصاد دائمًا ما يحذرون من أن المحتكرين لا يكتفون بجنى الأرباح، بل يقتلون المنافسة ليجعلوا السوق فى حالة جوع دائم.. لذا، فإن نجاح الحكومة مرهون بقدرتها على تنفيذ التكليفات الرئاسية بكفاءة يشعر معها المواطن بالنتائج.. الكفاءة هنا تعنى كما قام أحد المسئولين فى أستراليا بإصدار توجيهات باستصلاح أرض «الإيمو» الجافة وزراعتها وبمجرد ازدهارها عادت الطيور إلى مكانها الطبيعى وانتهت المشكلة بفعالية.

لأكون منصفًا، لا بد من تسجيل تحية واجبة إلى د. مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، الذى لا ينكر جهوده إلا جاحد، حيث نجح مع الحكومة السابقة فى عبور أزمات عالمية عاتية زلزلت دولًا كبرى؛ منها جائحة «كورونا»، مرورًا بتبعات الحرب الروسية الأوكرانية والعدوان على غزة، لقد أثبتت الحكومة قدرتها على الصمود وتوفير السلع الأساسية، إن الشعب المصرى، يتطلع اليوم أن تتحول التكليفات الرئاسية الأخيرة إلى واقع ملموس. فالمواطن ينتظر كسر أنياب المحتكرين، عبر رقابة ذكية تبدأ من المنبع وحوكمة شاملة تضمن عدم رفع الأسعار دون داعٍ، كما ينتظر المزيد من فرص العمل وتسهيلات أكبر على طريق المشروعات الصغيرة والمتوسطة والاستثمار، فلا تزال البيروقراطية تعيق سيولة الطريق أمام الطامحين. إن المعركة الحقيقية ليست معركة موارد فحسب، بل هى معركة إرادة وتخطيط مدروس.