حين تتكلم الأودية| كيف خبأت أسماء المدن المغربية إنذارات الفيضانات منذ قرون؟

حين تتكلم الأودية
حين تتكلم الأودية


في كل مرة تجرف السيول قرية أو تحاصر المياه مدينة في المغرب، تعود الأسئلة ذاتها حول أسباب تكرار الكارثة،غير أن الأرض، كما يؤكد باحثون، لم تلتزم الصمت يوما،  فقد حفظت في أسمائها وخرائطها إشارات وتحذيرات مبكرة، كأنها «شيفرات جغرافية» تنتظر من يقرأها، ويختصر المثل الشعبي المغربي «الواد لا ينسى طريقه» هذه الحقيقة التي تؤكد أن الماء يعود دائماً إلى مجراه مهما طال الزمن.

اقرا أيضأ|ما بين الحماية والتهديد.. كيف تحدد «جودة» الكربوهيدرات مصير دماغك؟


أسماء تحمل ذاكرة الماء


يرى عدد من المؤرخين أن أسماء مواقع مغربية، خاصة ذات الأصول الأمازيغية، تختزن دلالات طبيعية واضحة، فمدينة آسفي يقال إن اسمها يعني «المصب»، في إشارة إلى علاقتها التاريخية بمصب واد وبالبحر، بينما يرتبط اسم وادي درعة بدلالات «الاندفاع» أو «مد المياه».

وتقدم هاتان المنطقتان، الواقعتان على الساحل الغربي والجنوب الشرقي، مثالاً على أن «ذاكرة الماء» تتجاوز الفوارق المناخية، وتؤكد أن الأودية ظلت عبر التاريخ مجالات طبيعية لتصريف السيول، لا مساحات آمنة للتوسع العمراني.

من الذاكرة إلى الخسارة

غير أن هذه الإنذارات التاريخية، وفق متابعين، جرى تجاهلها مع تسارع التوسع العمراني غير المنضبط. فمن فاجعة أوريكا في تسعينات القرن الماضي، إلى ما شهدته مدن مثل تارودانت وتمنارت ومناطق الجنوب الشرقي خلال الأعوام الأخيرة، تحولت «الذاكرة الجغرافية» إلى خسائر بشرية ومادية متكررة.
قطيعة مع الجغرافيا

وفي قراءة تاريخية للمشهد، اعتبر أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة جامعة عبد المالك السعدي، سعيد الحاجغ في تصريحات صحفية، أن ما يعيشه المغرب لا يرتبط بالتغير المناخي وحده، بل يعكس قطيعة معرفية مع الذاكرة الجغرافية والتاريخية للمجال.

وأوضح أن المجتمعات التقليدية كانت أكثر وعيا بخطورة الاستقرار قرب الأودية والمناطق المنخفضة، وأن تجاهل دروس الماضي حوّل ظواهر طبيعية مألوفة إلى كوارث إنسانية واسعة النطاق.

«وهم بالأمان»

وأضاف الحاجي أن عقود الجفاف وبناء السدود أسهما في خلق «وهم بالأمان»، شجع على البناء داخل مجاري المياه، مشدداً على أن «الماء لا ينسى مجراه ويعود إليه مهما طال الزمن»، ودعا إلى إعادة الاعتبار للخرائط التاريخية وأسماء الأماكن في التخطيط العمراني، باعتبارها أدوات مساعدة على فهم المخاطر الطبيعية.

المناخ عامل مضاعف لا وحيد

من جانبه، أكد الخبير في المناخ والبيئة مصطفى بنرامل، في تصريح للموقع ذاته، أن تزايد وتيرة الفيضانات في السنوات الأخيرة يرتبط بتحولات مناخية واضحة، أبرزها اضطراب التساقطات واشتدادها في فترات زمنية قصيرة.

وأشار إلى أن هذا النمط المناخي يرفع من سرعة الجريان السطحي ويقلص قدرة التربة على امتصاص المياه، ما يجعل الفيضانات أكثر فجائية وشدة، لكنه شدد في المقابل على أن العامل المناخي وحده لا يفسر حجم الخسائر، موضحاً أن التوسع العمراني داخل المجاري الطبيعية للأودية ضاعف الهشاشة وحوّل الخطر الطبيعي إلى كارثة بشرية.

نحو مقاربة وقائية

ودعا الخبراء إلى اعتماد مقاربة وقائية تقوم على منع البناء في المناطق المعرّضة للفيضانات، وتحديث شبكات تصريف المياه، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، بدلاً من الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الكارثة،تكشف التجربة المغربية أن الطبيعة لا تفاجئ بقدر ما تُذكّر. فالأودية التي حملت أسماءها دلالات التحذير منذ قرون، ما زالت ترسم مجاريها كلما سنحت لها الفرصة.، وبين تغير المناخ واختلال التخطيط، يبقى استحضار «ذاكرة المكان» شرطاً أساسياً لتحويل الكارثة المتكررة إلى درس مستدام في إدارة المخاطر.