الأزهر للفتوى يرد على المسيئين لوالدي النبي ﷺ

 الأزهر للفتوى يرد على المسيئين لوالدي النبي
الأزهر للفتوى يرد على المسيئين لوالدي النبي


في بيان يعيد التأكيد على ما استقر عليه علماء الأمة عبر القرون، جدّد مركز الأزهر العالمي للفتوى الحديث عن مسألة نجاة أبوي النبي ﷺ، موضحًا أنها من القضايا التي انعقد عليها قول جماهير أهل السنة، ومشدّدًا على أن الخوض فيها على نحو يثير المشاعر أو يتضمن إساءة لا يليق بمقام النبوة الكريم. 

الأدب الواجب

ويأتي هذا التوضيح في إطار التأكيد على الأدب الواجب مع رسول الله ﷺ وكل ما يتصل به، وبيان الأسس العلمية التي اعتمدها المحققون من العلماء قديمًا وحديثًا.

أوضح المركز أن من المسائل التي استقر فيها قول المحققين من علماء الأمة قديمًا وحديثًا القول بنجاة أبوي سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهما ليسا من أهل النار، وهو ما انعقدت عليه كلمة المذاهب الإسلامية المتبوعة، وجرى عليه علماء الأزهر الشريف عبر العصور.

أدلة وبراهين

وبيّن أن العلماء أيدوا هذا القول بجملة من الأدلة والبراهين، من أهمها أنهما من أهل الفترة، فقد انتقلا قبل البعثة النبوية، ومن مات ولم تبلغه الدعوة فهو ناج، لقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سورة الإسراء: 15]. 

كما ذكروا أنهما كانا على الحنيفية السمحة، دين سيدنا إبراهيم عليه السلام، مستدلين بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [سورة الشعراء: 219]، وبقوله ﷺ: «لمْ يزَلِ الله يَنْقُلُني مِن الأصْلاب الحَسَنةِ إِلىَ الأرْحَامِ الطَّاهِرَةِ، مُصَفَّى مُهَذَّبًا، لا تَتَشَعَّبُ شُعْبَتَانِ إِلا كُنْتُ فِى خَيْرهِمَا» [ذكره السيوطي في الجامع الكبير].

الله تعالى أكرم نبيه

وأشار البيان إلى أن من الأدلة كذلك ما ورد من أن الله تعالى أكرم نبيه ﷺ بإحياء والديه له حتى آمنا به، وقد نص جمع من الحفاظ على أن أحاديث الإحياء وإن كان في أسانيدها ضعف فإنها تتقوى بمجموع طرقها. 

كما استدل العلماء بما أورده الإمام الطبري في "تفسيره" [24/ 487، ط: الرسالة] عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [سورة الضحى: 5] قال: (مِن رِضا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يَدخُل أَحَدٌ مِن أهل بيته النارَ)، معتبرين أن في إيمان والدي سيدنا النبي ﷺ ونجاتهما رضا له ﷺ.

 

تنزيهً آبائه الكرام

ولفت المركز إلى أن جماعة من كبار الأئمة صنفوا في إثبات نجاتهما، في مقدمتهم الإمام الحافظ السيوطي الذي أفرد في ذلك ست رسائل، إلى جانب ما كتبه العلماء قبله وبعده نصرة لمقام النبي ﷺ وتنزيهًا لآبائه الكرام.

أما الأحاديث التي استدل بها البعض، وعلى رأسها رواية أنس رضي الله عنه: «إن أبي وأباك في النار»، فقد أكد أهل الحديث انفراد حماد بن سلمة بذكر هذا اللفظ، وأن معمرًا وهو عند أئمة الحديث أضبط وأثبت خالفه، فرواه بلفظ: «إذا مررتَ بقبر كافر فبشره بالنار»، وهو ما يمنع الجزم بثبوت اللفظ الأول، خاصة مع ما قيل في حفظ حماد، إذ تكلّم بعض علماء الحديث في حفظه وذكروا أن في حديثه مناكير، ولذلك لم يخرج له البخاري شيئًا، ولم يخرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، وبناء على ذلك فإن رواية معمر أرجح وأثبت من رواية حماد.

معنى الأب عند العرب

كما أشار البيان إلى أن لفظ "الأب" قد يستعمل في لسان العرب وفي القرآن الكريم ويراد به العم، كما في قوله تعالى: {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} [سورة البقرة: 133]، إذ إن العرب تسمي العم أبا.

وذكر كذلك أنه يُحتمل أن يكون النبي ﷺ قال ذلك على وجه المواساة للرجل وجبر خاطره بعد انصرافه وحزنه، تسلية له وتخفيفًا عنه ببيان أن من قرابته ﷺ من لم يؤمن به.

وأوضح أن بعض العلماء ذهبوا أيضًا إلى أن هذه الروايات منسوخة بما ورد في حديث إحياء أبوي النبي ﷺ، وعلى ذلك فلا يصح اتخاذها مستندًا للطعن أو لمعارضة ما استقر عليه قول جمهور المحققين.

وأكد المركز أن مما يؤلم كل مسلم محب لسيدنا رسول الله ﷺ أن يتخذ بعض المغرضين الخوض في هذه الرواية وسيلة لاستفزاز مشاعر المؤمنين بالنيل من مقام والديه الكريمين ﷺ أو الإساءة إليهما، مشيرًا إلى أن سيدنا النبي ﷺ هو أبر الناس بوالديه وأشدهم حبًا لهما.

تحذير العلماء

كما حذر العلماء من إطلاق اللسان بغير أدب في هذا الباب، مستدلين بقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [سورة الأحزاب: 57]، وبقوله ﷺ: «لا تسبُّوا الأمواتَ فتُؤذوا الأحياءَ». [أخرجه الترمذي].

مغامرة بالخروج من الإيمان

واختتم البيان بالتأكيد على أن إثارة هذه المسألة على وجه التشغيب أو التشفي أو إعلان بغض والدي النبي ﷺ بغرض الظهور أو أي غرض آخر خروج عن الأدب الشرعي المطلوب، بل هو مغامرة بالخروج من الإيمان بالرسول ﷺ وبرسالته، وقبل ذلك إيذاء واعتداء على مشاعر ما يقرب من ملياري مسلم يجلون رسول الله ﷺ ويوقرون كل ما يتصل به.

وشدد على أن الواجب على المسلمين جميعًا أن يتحلوا بالأدب مع مقام النبوة، وأن يمسكوا عما لا طائل منه إلا الفتنة، وأن يتركوا المسائل العلمية لأهلها من المتخصصين، وأن ينشغلوا بما يجمع الكلمة ويوحد الصف، لا بما يثير الشقاق والنزاع.