يوميات الأخبار

صور مملوءة بالمحبة

د. عادل ضرغام
د. عادل ضرغام


عادل ضرغام

يمكن للمتأمل الباحث عن التأويل أن يراقب حركة النظارة لبعض المزاحمين وارتهانها نحو الأفق البعيد، مع وجود حالة مساواة على بساط واحد مع المسئول الكبير .

لا أعتقد أن هناك إجماعا على قيمة وفرادة نشاط من أنشطة النسخة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، يقترب من الإجماع الخاص على قيمة ما يقوم به الفنّان الفوتوغرافى علاء فريد وفريقه المعاون، بتصوير الراغبين من روّاد معرض الكتاب صورا مملوءة بالمحبة.

والإصرار اللافت من قطاع عريض من روّاد المعرض على التصوير إصرار على توثيق اللحظة الزمنية، وعلى محاولة الإمساك بها، وتثبيتها لتدلّ على وجود زمني، يتحوّل إلى ذكرى. ما يقوم به علاء فريد ليس مجرد التقاط صورة نحاول من خلالها أن نظهر فى أبهى حلّة، لكنه استيقاف للحظة وصناعة لتاريخ، وتدشين لذكرى تطلّ علينا كل عام.

يحاول البشر فى نزوعهم العادى البسيط تسجيل حضورهم فى الزمن وفى المكان، وكأنهم يثبتون الأثر الفاعل بالحضور، وقد أتاح ما يقوم به علاء فريد لروّاد المعرض- على اختلاف مشاربهم وأجناسهم- أن يطبعوا وجوههم فى المكان والحدث والزمن. فالكاتب- أو القارئ أو الشخص العادي- يستطيع من خلال تتابع الصور أو تكرارها أو تتاليها أن يقارن بين مشاعره وحالاته فى كل عام، وأن يعاين من خلال المقارنة مساحة الابتعاد أو الاقتراب من المتخيل النموذجى لذاته، لأن البشر يصنعون من الصور حياة، حياة لا يشعر بها أحد غير أصحابها، ولا يقترب من الأرواح الهادرة فيها إلا من كان لديه وعى بقيمة الصورة بوصفها شهادة لحظية على الوجود داخل الزمن.

وعلاء فريد- وأنا لا أعرفه، وإن كنت دائم الحضور إليه فى كل عام فى فترة معرض الكتاب- لم يصل إلى هذه المساحة من النجاح إلا بأسس خاصة فى التعامل مع روّاد المعرض، وربما تكون مساحة الحرية الممنوحة للجميع فى الطريقة التى يقدمون بها أنفسهم للتصوير هى الأساس الأول للنجاح. فالوقوف فى طابور الانتظار كشف لى عن قدرته فى تحمّل كلّ رغبة، وإن كانت غريبة، وعن صبره الطويل فى الإنصات لطلباتهم بما لا يخرق مواضعة أخلاقية أو عرفا مؤسسا. وتتجلّى السمة أو الركيزة الثانية للنجاح فى عدله، ومحاولة الخروج عن العدل أو الدور- فى منطقه- تستدعى خروج صوته عن الوضع الهامس المعتاد. وقد عاينت هذا الخروج والارتفاع حين حاول بعض روّاد المعرض- استنادا إلى معرفة خاصة به- أن يتقدّم فى دوره أو ترتيبه عن الحضور فى الطابور. يستحق علاء فريد والفريق المعاون كل تحية وتقدير.

اللاهثون فى انتظار العودة

أعتقد أن فعل المراقبة الذى يقوم به الإنسان يمكن أن يكون ذا تأثير فى إدراك الطبائع البشرية، وإدراك النزوعات والتوجهات الفردية نحو الوصول إلى الهدف، والتحويرات والانحناءات التى تصاحب محاولات هذا الوصول، وكذلك الفقدان الذى يصيب الشخص فى استمرار الانحناء، حتى يشعر الجميع بتقوّس العمود الفقرى لكثيرين. ففعل المراقبة المتجرّد يجعل الإنسان ملمّا بالخيارات وردود الأفعال البشرية المتجاوبة أو المتباينة. وأعتقد فى السياق ذاته- بوصفه نتيجة لفعل المراقبة- أن أصحاب المناصب الكبرى فى الحقل الثقافى حين يخرجون- ناجحين أو فاشلين أو فاسدين- تتلبّسهم حالة من حالات التيه المشفوع بالفقد والنقصان.

تجعلهم هذه الحالة يتوزّعون إلى فصائل تتكاتف فى لحظة معينة، ويقوّض تكاتفها الذاتية والنظرة الضيقة المبنية على المصلحة والأنانية هناك فصيل منهم لا يملّ من اللهاث وتحريك الذيل، والتمسّح بالآخرين المؤثرين السابقين، خاصة إذا كان بعضهم ذا حيثية ومؤثرا، وذلك للبحث عن موضع قدم، يستعيد من خلاله وجوده القديم المفقود، حتى لو كان هذا الموضع أقلّ بكثير من منصبه السابق، لأنه حتما سيجعل منه أداة للاشتغال، ولإسدال واستعادة أسس نظامه السابق بكل علله وأمراضه، وتمكين أفراده الجاهزين على الخط للعودة إلى المعترك وحلبة النزال. وأعتقد أن كثيرين من هذا الفصيل يتخذون من هذا الموضع أداة لإطلاق السهام وتصفية الحسابات.

أما الفصيل الثانى فهو- خروجا من أزمته- يخفى سطوته وأنيابه، مستلما طريقا أخرى للعودة، فى الاشتغال على أشياء حيوية غابت عنه فى وجوده السابق، فكأن أفراده يحاولون ترميم التشوهات والفجوات السابقة، فنرى هؤلاء الأفراد- تعلّقا بخيوط واهية- حاضرين فى أمسيات وندوات لم يكونوا يلقون إليها بالا فى السابق، وتتلبسهم فى أحيان ليست قليلة صورة من صور المنظّر الثقافى الذى خبر الحياة الثقافية بكل أمراضها، وكل غرابتها، خاصة الثقافة المصرية التى تبحث فى كثير من الأحيان عن الشخصيات التى تفرّغ أى حدث أو أية فاعلية ثقافية من مضمونها الحقيقي، وتجعلها دائما وثيقة الصلة بالزائف وغير الحقيقي.

يتبدّى وجود أفراد الفصيل الأخير من المثقفين فى القدرة والفاعلية دون وجود ملموس، فأنت بوصفك مراقبا جادا لن تشعر بوجودهم، ستشعر فقط بأثر وجودهم. فهؤلاء يؤسّسون سلطة لفسادهم من وراء الستارة، يمنعون شخصا أو أشخاصا عديدين من حقوقهم، ويعطون هذا الحق لمن لا يستحقّون، لا لشيء إلا للوصول إلى نشوة الإحساس بالقيمة غير الموجودة، أو القيمة المتخيلة التى لا يشعر بها سواهم وأفراد آخرون تعودوا الهتاف لكل شخص مؤثر، وفى يده قدرة زائفة مرتبطة بالوجود اللحظى أو الجزئي.

الصورة العلامة

ما أجمل أن نتعامل مع الصورة بوصفها علامة كاشفة، خاصة حين تكون الصورة أو الصور مرتبطة بحدث عام، تتم متابعته على مستويات عديدة. فى مثل هذه الصور التى رأينا كثيرا منها بعد افتتاح معرض الكتاب يمكن أن نلحظ حالة التدافع للاقتراب من المسئول الكبير، وعددا كبيرا من الكرافتات الشيك أو الكوفيات التى تؤسس لانتماء معين، وإن كان من يرتدونها فى الظاهر والعلن هم أوّل من يتخلّون عن أسس منطلقاتها وموجبات وجودها فى السرّ والخفاء.

وسوف نلمح فى الآن ذاته حالة من حالات المقاومة البادية على بعض الوجوه لثقل الرجلين المتعبتين فى متابعة رشاقة المسئول، لإثبات أن هناك قدرة جسدية تستوجب مساحة زمنية قادمة من البقاء والاستمرار. ويمكن للمتأمل الباحث عن التأويل أن يراقب حركة النظارة لبعض المزاحمين وارتهانها نحو الأفق البعيد، مع وجود حالة مساواة على بساط واحد مع المسئول الكبير، إن لم نلمح مساحة للتقدم والسبق والحركة فى نقل القدم، لإسدال مشروعية للتنافس والصراع.

يتوازى مع قراءة الصورة بوصفها علامة، النظر والتأمل لبعض التغريدات المتاحة على وسائل التواصل الاجتماعي ففى بعض اللحظات أو السياقات التى لا تخلو من خصوصية انطلاقا من حالة السيولة التى تعيشها الثقافة المصرية من فترة ليست قصيرة، أو انشدادا إلى مكان شاغر، أو طمعا فى تصعيد إلى مكان أعلى، نجد تغريدات غريبة فى تتابعها وتراكمها لا تقلّ فى انتهازيتها عن حالة التزاحم السابقة التى لا تخلو من الاستعراض، فى كشفها عن الخواء أو الوجود المنمّق الزائف لدى كثيرين.

لقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعى فى فترة معرض الكتاب خاصة فى يومه الأخير عن واحد من هؤلاء المغردين، لا يكفّ فى أية تغريدة من تغريداته فى الكشف عن وجود ملتبس، وعن كتابة موجّهة نحو الهدف، يتوسّل من خلالها المنفعة، حتى فى تلك التغريدات التى يحاول من خلالها الاقتراب من العناصر المؤثرة ثقافيا فى بعض الدول العربية الأخرى. فى هذه التغريدات نجده كوّن نوعا من القدرة بفعل الممارسة والتكرار، على مخاطبة كل السياقات المحيطة بالكتل الثقافية المصرية، وكلّ الأشخاص المؤثرين المحتملين، أو الأشخاص الذين يحملون شبهة الفاعلية والتأثير.

ووجود هذا النوع من المثقفين يوجّه نحو الوجود المتهافت للمثقف، لأن هذا المثقف- بالرغم من محاولاته المضنية فى التخفّى وراء أساليب يتقنّع من خلالها بالمصداقية والشفافية- يبقى خارج التأثير، وبعيدا عن الفاعلية المرجوة من الفعل الثقافى فى كلّ تجلياته المعرفية العديدة.