علماء يعيدون تركيب عطور استُخدمت في طقوس التحنيط لدى قدماء المصريين

تعبيرية
تعبيرية


لم يعد استكشاف الحضارات القديمة حكرًا على التماثيل والنقوش والبرديات، فالعلم بات قادرًا اليوم على إحياء ما لا يُرى ولا يُلمس، في خطوة غير مسبوقة، نجح علماء في إعادة تكوين روائح تعود إلى أكثر من 3500 عام، استخدمها المصريون القدماء في طقوس التحنيط، ليمنحوا العالم نافذة حسية جديدة على واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية.

تمكّن فريق بحثي دولي من إعادة ابتكار عطور استُخدمت في طقوس التحنيط لدى قدماء المصريين، في إنجاز علمي يفتح آفاقًا جديدة لفهم الحياة الدينية والطبية والطقسية في مصر الفرعونية. 

اقرأ أيضًا| طقوس البعث والخلود في مقبرة "إنحر- خا" بدير المدينة

ووفقًا لما أوردته صحيفة إندبندنت، فإن هذه التجربة الثورية قد تمهّد الطريق لمتاحف مستقبلية تعتمد على تفاعل الحواس، وليس الرؤية فقط.

واعتمد الباحثون من معهد ماكس بلانك في ألمانيا على تحليل المركبات العضوية المتطايرة التي بقيت محفوظة داخل الجرار الكانوبية الخاصة بالسيدة النبيلة سينيتناي، التي عاشت نحو عام 1450 قبل الميلاد وقد أتاح هذا التحليل المتقدم التعرف على بصمات عطرية دقيقة نجت عبر آلاف السنين، لتكشف عن مكونات كانت جزءًا من طقوس التحنيط والممارسات الدينية اليومية.

- عطر بطابع علمي وطقسي

لم يقتصر العمل على الجانب الكيميائي فقط، بل شارك في المشروع فريق متعدد التخصصات ضم علماء كيمياء أثرية، وعلماء آثار، وخبراء تراث عطري، إلى جانب محترفين في صناعة العطور، وتم تطوير تركيبات معقدة تضم نحو 20 مكونًا، مع الالتزام الصارم بمعايير السلامة، والسعي إلى محاكاة الروائح الأصلية بأعلى درجة ممكنة من الدقة التاريخية.

وتوضح هذه التركيبات كيف كان العطر في مصر القديمة مزيجًا من البعد الطبي والديني والرمزي، وليس مجرد عنصر جمالي، إذ ارتبطت الروائح آنذاك بالنقاء، والبعث، والحماية في الحياة الأخرى.

- تجربة متحفية متعددة الحواس

في متحف أوغست كيستنر بمدينة هانوفر الألمانية، أصبح بإمكان الزوار التفاعل مع بطاقات عطرية تنقل روائح التحنيط القديمة، بينما قدّم متحف موسغورد في مدينة آرهوس بالدنمارك محطات عطرية تفاعلية تمنح تجربة حسية متكاملة، تساعد الزوار على فهم طقوس المصريين القدماء بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة بالموت والرعب.

وأشار الباحثون إلى أن هذه الروائح لا تضيف بعدًا جديدًا للتجربة المتحفية فحسب، بل تخلق رابطًا عاطفيًا مباشرًا بين الزائر والماضي، وتجعل التاريخ تجربة محسوسة لا مجرد سرد بصري أو نصي.

- العلم وصناعة العطر.. شراكة لإحياء الماضي

وفي هذا السياق، قالت باربرا هوبر، الكيميائية الأثرية المشاركة في الدراسة، إن البيانات الجزيئية تمثل الخطوة الأولى فقط، موضحة: "التحليل الكيميائي يزوّدنا بالأدلة، لكن دور صانع العطور هو تحويل هذه البيانات إلى تجربة شمية متكاملة تحاكي تعقيد المواد الأصلية، وليس مجرد جمع مكوناتها".

- مستقبل المتاحف

ويأمل الفريق البحثي أن تسهم هذه الابتكارات في إعادة تعريف دور المتاحف، لتصبح فضاءات تفاعلية تسمح للزوار باستكشاف التاريخ عبر حواسهم المختلفة، في تجربة تجمع بين العلم، والثقافة، والوجدان الإنساني.