رغم أن كلا العهدين الناصرى والساداتى، قد بدأ بالتعاون مع نفس القوى السياسية ممثلة فى الإخوان المسلمين، كجزء من مقتضيات الصراع واعتبارات التوازن السياسى، لتثبيت دعائم السلطة وأركان الحكم، إلا أن طبيعة القوى السياسية التى شكلت طرفاً أساسياً فى الصراع اختلفت وفقا للمرحلة التاريخية. فتحالف قادة ثورة يوليو مع الإخوان فى البداية كان جزء منه موجها ضد القوى التى شكلت عدوا مشتركا، فى حين أن مصالحة السادات مع نفس القوى السياسية كانت موجهة بالأساس إلى أحد أجنحة النخبة الحاكمة. ليكرر السادات نفس السياسة، بأبعاد ومنهج وفلسفة مغايرة، وفقا لرؤيته الذاتية وأهدافه الخاصة، التى حددت إدراكه واختياراته، بتكتيك ضرب قوى سياسية بقوى أخرى يختلف معها، لصالح تدعيم نظام حكمه واستقراره، مما دفع السادات للمغامرة بتوظيف العامل الدينى فى الصراع السياسى، لينطلق المارد من عقاله.
وربما كانت طبيعة الصراع السياسى الذى خاضه السادات فى بداية عهده ضد رجال عبدالناصر فيما عرف «بثورة التصحيح»، قد لعبت دوراً مهما وضرورياً للاستناد إلى الرافد الدينى، حيث دار الصراع بين النخبة الحاكمة، مما جعل الصراع يتخذ أبعاداً حادة، استلزمت تغييراً فى طبيعة التحالفات السياسية للنظام فى العهد الجديد، ومصادر شرعيته. ليمثل الرافد الدينى فى التوجهات السياسية للسادات وعلاقته مع القوى السياسية الإسلامية. إحدى الأدوات المهمة لإدارة الصراع، وفقا لتغير معطيات الواقع الداخلى وتطورات الظروف الخارجية وما فرضته من تحديات.
فقد بدأت العلاقة بين السادات والإخوان المسلمين فى السنوات الأولى لحكمه، وحتى منتصف السبعينيات، يحكمها طابع التعاون والمصالحة، قبل أن تظهر على السطح بوادر التوتر وإرهاصات المواجهة بين الطرفين، بعدما اتخذت جماعة الإخوان جانب المعارضة لسياسة السادات، الذى سعى من جانبه لاحتواء هذه المعارضة بتقديم بعض التنازلات السياسية، إلى أن انتهى الأمر بالصدام والمواجهة، وصولاً إلى نقطة اللا عودة.
لتمثل هذه التجربة نموذجا جديراً بالدراسة والتحليل، مازالت تحمل الكثير من الخفايا والأسرار لتلك العلاقة المعقدة والمتشابكة مع أطراف إقليمية ودولية، فلم تكن هذه العلاقة مقصورة على طرفى الصراع «السادات والإخوان المسلمين»، والأهم هو الطرف الثالث «الشعب المصرى» الذى أغفله الجميع وأسقطه من حسابات تلك المعادلة الصعبة ودائرة الصراع ومتاهاته، رغم أنه الطرف الأساسى والمتضرر الأكبر، الذى يدفع الثمن ويتحمل تداعيات تلك المواءمات والصفقات السياسية -غير محسوبة العواقب- على حساب ضروراته الأمنية وسلامه الاجتماعى واستقراره، بل ورهن مستقبله للمجهول.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







