الدولة لا تنافس على الترند.. صوت الحكومة أهدأ على السوشيال ميديا

أدوات رقمية
أدوات رقمية


في كل مرة تتخذ فيها الدولة قرارًا حساسًا يمس قطاعات واسعة أو فئات ضعيفة، يعلو الضجيج على منصات التواصل الاجتماعي، وتتعدد الروايات، وتتصاعد الأصوات التي تمتلك أدوات رقمية أكثر قدرة على الانتشار والتأثير، وفي خضم هذا المشهد، يتكرر سؤال مشروع لدى الرأي العام: لماذا يبدو صوت الحكومة أهدأ؟ ولماذا لا تدخل الدولة في مواجهة مباشرة على السوشيال ميديا لتفنيد ما يتداول أو الرد على الهجوم؟

هذا التساؤل، في جوهره، لا يتعلق فقط بأداء إعلامي، بل يكشف عن فجوة أعمق بين منطق الدولة ومنطق منصات التواصل التي يمكن لأي شخص أن يكتب أي شيء، وهي فجوة لا تعني بالضرورة ضعف الحجة أو غياب الفعل، بقدر ما تعكس اختلافًا جوهريًا في طبيعة الدور والمسئولية.


منطق المنصات ومنطق القرار العام
تعمل منصات التواصل الاجتماعي وفق منطق واضح: الانتشار للأعلى صوتًا، والأكثر إثارة، والأقرب لتحريك المشاعر، لا تنتظر المنصات اكتمال الصورة، ولا تُقيم الروايات بميزان التحقق أو السياق، بقدر ما تُكافئ القدرة على الجذب والتفاعل.


في المقابل، يُبنى القرار العام داخل الدولة على مسارات مختلفة تمامًا: تقارير، زيارات ميدانية، لجان فنية، تشريعات، ومسؤوليات قانونية تمتد آثارها إلى ما بعد لحظة الجدل أو انتهاء الترند.. ومن هنا، فإن الفارق في الحضور الرقمي لا يعكس فارقًا في المشروعية، بل فارقًا في طبيعة العمل.


لماذا لا تنافس الدولة على الترند؟
الدولة ليست فاعلًا رقميًا يسعى إلى كسب تعاطف لحظي، ولا جهة تملك رفاهية الرد السريع أو الاشتباك المفتوح، فالدخول في معارك "السوشيال ميديا" يحمل مخاطر حقيقية، من بينها اختزال قرارات مركبة في جمل قصيرة، أو تحويل ملفات إنسانية حساسة إلى ساحات سجال، أو منح زخم إضافي لروايات غير مكتملة.
لهذا، تميل الدولة بطبيعتها إلى الخطاب الهادئ، والبيانات المحددة، وتحمل كلفة سوء الفهم المؤقت، بدلًا من الانجرار إلى مواجهات رقمية سريعة قد تُفسر خارج سياقها المؤسسي.


الصوت الأعلى لا يعني الحقيقة الكاملة
في كثير من القضايا، يمتلك بعض الأطراف أدوات رقمية أكثر تطورًا، وشبكات دعم نشطة، وقدرة على إنتاج محتوى عاطفي مؤثر، ومع تصاعد الهجوم الرقمي، يبدو المشهد وكأن طرفًا واحدًا فقط هو من يملك الرواية، بينما الواقع غالبًا أكثر تعقيدًا.
فالصمت النسبي للمؤسسات لا يعني غياب الفعل، كما أن ارتفاع الصوت لا يعني اكتمال الحقيقة، كثير من الإجراءات تُنفذ بعيدًا عن الكاميرات، ولا توثق بلغة "السوشيال ميديا"، لكنها تظل قائمة ومؤثرة على الأرض لأنها لأن معيارها الحقيقي هو صون الإنسان وحقوقه، لا عدد المشاهدات أو التفاعلات. 
ويتجسد هذا التباين بوضوح في الهجوم الرقمي الذي أعقب إعلان وزارة التضامن الاجتماعي في بيان لها عن إغلاق 80 دار رعاية خلال ال 18 أشهر الأخيرة، حيث لجأ بعض القائمين على الدور المغلقة إلى نشر مقاطع فيديو وبوستات مطولة على منصات التواصل الاجتماعي، قدموا خلالها رواياتهم الخاصة للوقائع، مستخدمين أدوات احترافية في صناعة المحتوى، ولغة عاطفية قادرة على جذب التعاطف السريع. وفي المقابل، يستند القرار الرسمي، وفقًا لما ورد في التقرير الذي أصدرته الوزارة، إلى مسار رقابي ممتد شمل زيارات ميدانية دورية ومفاجئة، وإنذارات متكررة، ومهل زمنية لتصحيح الأوضاع، قبل الوصول إلى قرار الإغلاق كخيار أخير لحماية النزلاء.


وفي ظل هذا التباين بين رواية تُقدم بلغة "سوشيال ميديا" عالية الاحتراف، ومسار رقابي موثق لا يظهر بكامل تفاصيله على المنصات الرقمية، يجد المواطن العادي نفسه عاجزًا عن تقييم صحة ما يتداول، أو المفاضلة بين سردية عاطفية جزئية، وصورة أكثر شمولًا وردت في التقرير الرسمي؛ ف"السوشيال ميديا" لا تُكافئ التحقق بقدر ما تُكافئ طريقة العرض، ولا تميز بين من يقدم جزءًا من الحقيقة ومن يستند إلى منظومة رقابية كاملة.
ومن هنا، لا يرتبط التحدي بحدة الهجوم أو اتساع انتشاره، بقدر ما يرتبط بالحاجة إلى إتاحة ما ورد في التقارير الرسمية بصورة أكثر تفصيلًا وشرحًا، بما يمكن المواطن من التحقق بنفسه، بعيدًا عن ضغط الترند، ودون أن تتحول القضايا الإنسانية الحساسة إلى ساحة اشتباك رقمي.


بين التبرير والدفاع والإتاحة
في التعامل مع هذا الضجيج، يختلط أحيانًا مفهوم الدفاع بمفهوم إتاحة المعلومات، بينما الفارق بينهما جوهري، فالدفاع يفترض وجود خصومة، ويقود غالبًا إلى سجال مفتوح وردود متلاحقة قد تُفسر خارج سياقها، أما التبرير، فينطلق من محاولة إقناع سريعة قد تختزل قرارات معقدة في إجابات مبسطة لا تحتملها طبيعتها.
في المقابل، تقوم الإتاحة على منطق مختلف؛ لا تسعى إلى كسب معركة رأي عام، ولا إلى مجاراة الترند، بل إلى فتح المعلومات أمام من يريد التحقق، وتقديم المسار الكامل للقرار، وأدوات فهمه، وسياقه القانوني والإنساني، بما يحترم عقل المواطن ويعزز ثقته في المؤسسات.


البيان لم يعد كافيًا 
في العصر الرقمي، لم يعد البيان الإعلامي المختصر كافيًا للإجابة عن أسئلة الرأي العام؛ فالمواطن اليوم لا يسأل فقط: ماذا حدث؟ بل يسأل أيضًا: لماذا حدث؟ وكيف؟ وما الذي سبق القرار؟ وما البدائل التي وُضعت؟
وعندما لا يجد هذه الإجابات في المنصات الرسمية، يذهب تلقائيًا إلى "السوشيال ميديا"، حيث تُقدَّم له روايات جاهزة، غالبًا انتقائية، وأحيانًا ناقصة أو مضللة. هنا لا تكمن المشكلة في غياب المعلومة، بل في طريقة إتاحتها.


المواقع الرسمية من النشر إلى المعرفة
تتجلى الفجوة الحقيقية حين تتحول المواقع الرسمية إلى منصات نشر فقط، لا منصات شرح وتوثيق، فبدل الاكتفاء بالبيانات، بات مطلوبًا تقديم سياق أوسع، يشمل تقارير مبسطة، وأسئلة وأجوبة، وخطًا زمنيًا يوضح كيف اتُخذ القرار، وروابط للقوانين والمعايير ذات الصلة.
بهذا الشكل، لا تدخل الدولة في منافسة على الترند، لكنها تمنح من يريد التحقق أدوات واضحة، وتكسر احتكار الرواية الواحدة الأعلى صوتًا.


من يمثل من لا صوت لهم؟
في ملفات الرعاية الاجتماعية على وجه الخصوص، يظهر التناقض بوضوح، فبعض الأطراف تمتلك منصات وصوتًا مرتفعًا، بينما الفئات الأكثر تأثرًا بالقرارات - كالنزلاء داخل دور الرعاية - لا تملك صفحات ولا حسابات ولا أدوات ضغط رقمي.
هنا، يصبح صوت الدولة، مهما بدا أهدأ، هو الصوت الوحيد القادر على تمثيل من لا صوت لهم، عبر أدوات لا تظهر على الشاشات، لكنها حاسمة في الواقع، مثل الزيارات الميدانية، والتقارير الفنية، وقرارات الحماية.


فجوة تحتاج إلى جسر لا إلى صراع
لا يعني هذا أن الأداء الحكومي في مجال التواصل الرقمي لا يحتاج إلى تطوير، بل تكشف هذه اللحظات عن ضرورة بناء خطاب أكثر تفسيرًا وأقرب إلى الناس، دون التخلي عن الانضباط المؤسسي؛ فسد فجوة التواصل لا يعني محاكاة منطق المنصات، بل بناء سردية هادئة ومتراكمة، تُقدم الصورة الكاملة بمرور الوقت.


قراءة أبعد من الضجيج
في النهاية، لا تُقاس قوة الدولة بعدد المنشورات، ولا بسرعة الرد، ولا بحدة الاشتباك، بل  تُقاس بقدرتها على اتخاذ القرار، وتحمل كلفته، وإتاحة معلوماته، وحماية الفئات الأضعف، حتى لو كان ذلك على حساب شعبيتها الرقمية المؤقتة.
ولهذا، حين يبدو صوت الحكومة أهدأ على السوشيال ميديا، فالأمر لا يعكس غياب المعلومة بقدر ما يطرح سؤالًا أوسع: كيف ننتقل من بيان رسمي مختصر إلى معرفة عامة متاحة، تسمح للمواطن أن يتحقق بنفسه، بعيدًا عن ضجيج الترند وارتفاع الصوت.