يوميات الأخبار

رمضان الغربة… ورمضان فى حضن الوطن

رضا هلال
رضا هلال


تعلمت أن الصيام ليس فقط امتناعًا عن الطعام، بل هو إحساس بالانتماء، وأن العبادة، مهما سمت، تحتاج إلى دفء المكان.

ليس رمضان شهرًا عابرًا فى الذاكرة، ولا محطة زمنية تتكرر بلا أثر؛ فرمضان تجربة حياة؛ تتغير ملامحها بتغير المكان، وتختلف نكهتها باختلاف الوطن، وتزداد عمقًا كلما طال العمر وتراكمت الأعوام.

وعلى امتداد ما يقرب من خمسةٍ وعشرين عامًا، وجدت نفسى أعيش رمضان فى الغربة - (دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة والتى كانت وطنًا ثانيًا لى على مدى تلك الفترة فى حياة آمنة رغدة) - وبعضًا منه فى الوطن، وقليلًا منه فى أرضٍ اصطفاها الله لتكون قبلة القلوب قبل الأجساد؛ (بين مكة المكرمة المشرفة والمدينة المنورة بأنوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم).

فكان لكل رمضان وجه، ولكل مكان صوته، ولكل تجربة أثرها الذى لا يُمحى.

أستطيع أن أقول، بلا تردد، إننى عرفت أكثر من رمضان، وعشت أكثر من معنى للصيام، واختبرت أكثر من شعور للعبادة.

رمضان الذى يُعاش فى حضن الوطن، ورمضان الذى يُمارس فى الغربة، ورمضان الذى يسمو بالروح فى الحرمين الشريفين… ثلاثة عوالم مختلفة، يجمعها الشهر، ويفرقها الإحساس.

فى أرض الحجاز أطهر بقاع الأرض وأشرفها على الإطلاق، حيث أمضيت أيامًا من رمضان بين المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن المكان مجرد فضاء للعبادة، بل كان حالة روحية كاملة؛ هناك، لا تشعر فقط أنك صائم، بل تشعر أنك منفصل عن الدنيا، كل ما حولك يذكرك بالله، كل خطوة تقودك إلى صلاة، وكل لحظة تفتح بابًا للسكينة.

لكن الغربة… قصة أخرى

فى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث قضيت النصيب الأكبر من سنوات غربتى، عشت رمضان طويلًا؛ خمسة وعشرين عامًا تقريبًا، جعلتنى أرى الشهر فى صور متعددة، وبثقافات مختلفة؛ وعادات وتقاليد متنوعة، رغم العبادات المتوحدة، وكنت أرقبه يتشكل حولى لا داخلى.

رمضان هناك كان موجودًا… نعم، لكنه لم يكن شاملًا، كنت أشعر به فى بيتى، لأننى كنت أصرّ على صناعته، أرتب المكان، أستحضر الذكريات، أستدعى مصر فى تفاصيل صغيرة، أشعر به فى المسجد، حيث تصلى القلوب قبل الأجساد، وحيث للتراويح نكهة خاصة تجمع الغرباء تحت سقف واحد، وأحيانًا كنت أراه فى بعض المراكز التجارية التى تتزين خصيصًا للشهر ويتكالب الناس فيه على الشراء والتخزين للمواد الغذائية وكأن هذا الشهر هو للغذاء الجسدى لا الروحى، وعلى العكس منه فى المساجد كأن الناس جاءوا ليتزودوا بما لم يجدوا فى غيره من الزاد الخالص ليوم يظنونه قريبًا.
الشارع كان عابرًا لرمضان

رمضان فى الإمارات - كما خبرته - كان شهرًا منظمًا، أنيقًا، محسوبًا بدقة، تقل ساعات العمل، تُضبط المواعيد، تُقام الموائد، وتُصنع الأجواء بعناية، لكنه ظل - فى جوهره - رمضان «محدود النطاق»، لا يفيض على الحياة اليومية، ولا يفرض حضوره على تفاصيل الناس كما يفعل فى أوطان أخرى.

خصوصًا إذا علمنا أن الإمارات وكما تروج لنفسها دائمًا أنها مدن عالمية تضم أكثر من 205 جنسيات من كل أعراق الأرض، وأكثر من عدد أعضاء الأمم المتحدة، ورغم أنهم الآن أصبحوا 206 جنسيات، فإن الكل متعايش فى أمن وسلام قلما تجد أزمة حقيقية بسبب الجنسيات حيث الكل فيها يعلم لماذا جاء إليها؟ وأيضًا يعرف أسباب الخروج القسرى!!! إن خالف القوانين أو أحدث ضجيجًا وخرقًا لما هم عليه من النظام.

فالدولة هناك تمنحك كل شيء، حرية واسعة، خيارات مفتوحة، حياة لا تعرف القيود إلا فى حدود القانون، وربما لهذا السبب، لم يكن رمضان ضرورة اجتماعية أو حالة عامة، بل كان خيارًا شخصيًا، يمارسه من يريد، ويتجاوزه من لا يعنيه.

كنت، بحكم عملى الصحفى، أعيش رمضانًا خاصًا، أغلب أيامى كانت بين الفنادق، وموائد الإفطار الرسمية، والدعوات المتلاحقة، مرت عليّ سنوات أفطرت فيها كل أيام رمضان خارج بيتى، ثلاثون يومًا كاملة، بين عزومة وأخرى، بين قاعة فندق وأخرى، فقد كان الاحتفاء بالشهر حاضرًا، بل مفرطًا أحيانًا، لكننى كنت أشعر فى داخلى بشيء ناقص… شيء لا تصنعه الموائد، ولا تعوضه الفخامة.

كان رمضان هناك يبدو لى وكأنه «معلّب»؛ جاهز، مرتب، لكنه بلا امتداد حقيقى، بلا تلك العفوية التى تملأ القلب قبل العين، بلا الضجيج الجميل الذى يصنع الذكريات.

ثم تأتى مصر… فتفهم

رمضان فى مصر لا يأتى فجأة، ولا يحتاج إلى إعلان رسمى، ولا إلى لافتات تُعلّق لتخبر الناس بوصوله.

هو حالة تتسلل بهدوء، تسرى فى الهواء قبل أن تُرى بالعين، تشعر به فى نبرة الأصوات التى تخفت قليلًا، فى الخطوات التى تبطؤ دون اتفاق، فى الزحام الذى يظل زحامًا لكنه يكتسب قدرًا إضافيًا من الصبر، وفى التعب الذى لا يخلو من رضا داخلى خفى، كأن الناس تتواطأ مع المشقة وتتصالح معها.
رمضان فى مصر ليس حكرًا على المساجد وحدها، وإن كانت المساجد قلبه النابض. ولا على إذاعة القرآن الكريم وصوت الشيخ محمد رفعت، وإن كانا من علامات الشهر الكريم وروحانيته، هو موجود فى الشارع كما هو فى المحراب، فى العمل كما هو فى الدعاء، فى المواصلات المزدحمة كما هو فى صفوف التراويح. تراه فى الوجوه المتعبة آخر النهار، وفى العيون التى تترقب آذان المغرب كموعد للراحة أكثر منه موعدًا للطعام.

تسمعه فى التحيات المختلفة، وفى جملة «رمضان كريم» التى لا تُقال باعتبارها مجاملة، بل كجزء من لغة يومية موسمية تشبه نبض الشارع.

فى رمضان، تبدو البيوت المصرية أكثر انفتاحًا، حتى وإن ضاقت المساحات، موائد بسيطة لكنها ممتدة بالنوايا الحسنة قبل الطعام، وأبواب تُفتح للأقارب والجيران، وأطباق تنتقل من بيت إلى بيت دون حساب.

تجده فى الجلسات العفوية بعد الإفطار، وفى الضحكات التى تخرج رغم الإرهاق، وفى السهرات التى لا تحتاج إلى ترتيب مسبق، يتجلى رمضان كفكرة اجتماعية قبل أن يكون عبادة فردية.

قد نختلف حول مظاهره الحديثة، وقد ننتقد بعض ما علق به من استهلاك أو ضجيج أو مبالغة، وقد نتحسر على بساطة افتقدناها، لكننا لا نستطيع إنكار حضوره الطاغى، رمضان فى مصر لا يُدار بقرار إدارى، ولا يُختصر فى أماكن بعينها، ولا يمكن عزله عن تفاصيل الحياة اليومية، هو جزء من النسيج العام، من الذاكرة الجماعية، من الحكايات الصغيرة التى تتكرر كل عام وتختلف فى تفاصيلها وتتشابه فى روحها.

فى مصر، يتغير إيقاع الزمن فى رمضان؛ النهار يبدو أطول، لا بثقله فقط، بل بتأمله، والليل أقرب إلى الحياة، أكثر دفئًا وحركة، الشوارع لا تنام تمامًا، لكنها تهدأ بطريقة مختلفة، والحوارات تطول، والناس، رغم كل ما يثقل كاهلهم، يجدون فى الشهر مساحة للتخفف، ولو مؤقتًا، من قسوة الأيام.

رمضان فى مصر لا يصنع حالة طارئة، بل يستدعى شيئًا كامنًا فى الناس، يستحضر قيمًا قد تخفت فى بقية العام... الصبر، المشاركة، التسامح، والشعور بالآخر. وربما لهذا السبب يبدو حضوره أقوى من أى مظاهر، وأعمق من أى طقس.

فى مصر، لا تحتاج أن تصنع أجواء رمضان، ولا أن تبحث عنها عمدًا…

لأنها موجودة من حولك، وفيك

رمضان هنا لا يزورك فقط، بل يعيد تشكيلك قليلًا، ويذكرك - ولو لشهر - بأن للحياة وجهًا أهدأ، وأقرب، وأكثر روحانية وإنسانية.

بين الغربة والوطن، تعلمت أن الصيام ليس فقط امتناعًا عن الطعام، بل هو إحساس بالانتماء، وأن العبادة، مهما سمت، تحتاج إلى دفء المكان، وإلى ذاكرة مشتركة، وإلى شعور بأنك لست وحدك فى هذا الشهر.

الغربة تعلّمك الكثير، لكنها تسرق منك أشياء صغيرة لا تنتبه لها إلا بعد حين، تسلبك بساطة التفاصيل، ودفء المشاركة، وتلقائية الفرح.
أما الوطن، فيمنحك رمضانًا مشوبًا بالتعب، نعم، لكنه مغمور بالروح.

وفى النهاية، أدركت أن رمضان لا يتغير، لكننا نحن من نتغير، نكبر، فنفهمه أكثر، نغترب، فنشتاق إليه بصورته الأولى، ونعود - إن عدنا - فنكتشف أن حضن الوطن، مهما ضاق، يظل أوسع مكان للصيام.

اللهم أدم علينا رمضان،

وأعده علينا أعوامًا عديدة،

وأزمنة مديدة، بعمل صالح ترضى عنه،

فاللهم أعدنا فيه إلى أنفسنا…

وإلى ديننا ردًا جميلًا.