من بين الذين تحلقوا حول سيدة الغناء العربى أم كلثوم منذ بداياتها وحتى وصولها لقمة المجد الكاتب الكبير والمحامى المتألق والبرلمانى القدير ونقيب الصحفيين فكرى باشا أباظة، ولم تكن علاقته بأم كلثوم علاقة عابرة إذ أنه كان محاميها ومن أقرب أصدقائها وعشاق فنها الراقى المساند لها فى مشوارها على مدى 60 عاماً، ويروى ذلك فى سطور المقال التالى، فيقول:
«تتبعت مراحل أم كلثوم من الفقر المُدقع إلى نعم الله المُغدقة، كانت لماحة وموهوبة، تتبعتها فى الموالد والحفلات بأنحاء القطر، منذ كانت فتاة صغيرة ترتل القرآن وتغنى المقطوعات الريفية، وكنت أراجع عقودها فى الحفلات بين مائة قرش إلى مرحلة مئات وآلاف الجنيهات، وذكرياتى معها تحتاج لمجلدات لتدوين تاريخ هذه المعجزة التى شاء الله أن يمنح صوتها الملائكى هبة للملايين فى مصر والأمة العربية وبعض الدول الأوروبية.
أتذكر أن «كافيه ريش» بميدان طلعت حرب أعد تختًا موسيقيًا يتبادله كبار المطربين بالتوالى منهم: السلطانة منيرة المهدية التى سمعت عنها أم كلثوم فى مراحلها الأولى، و قالت لى: «نفسى أسمعها»، فذهبت بها إلى الكافيه وجلست «تحت التخت» لتستمع وتترنح طرباً، وقالت لى فى نهاية الحفلة «حنجرة غير عادية»، وعندما مرضت منيرة باحتقان اللوزتين، وفحصها أكبر أخصائى فرنسى قال لزملائه «لو أمكننا بعد عمر أن نحصل على هذه الحنجرة لاستفاد العلم كثيرًا، لعلها توصى بها لمؤسسات العلم فى فرنسا»، وكانت أم كلثوم أسبق من الطبيب الفرنسى فى ملاحظته بسنين.
استمع «العقاد» أشهر عازفى آلة «القانون» لأم كلثوم فأعد لها أول حفلة فى أرض فضاء خلف «قهوة المالية» لتغنى لأول مرة بالقاهرة وصفق الجمهور وطلب أن تعيد ما غنت فكان ذلك اليوم هو «الفاتح» فى طريقها إلى عالم الأضواء، وفى ليلة ليلاء كانت أم كلثوم متعاقدة على إحياء فرح بقرية بالغربية، ركبت القطار مع والدها وأخيها خالد والشيخ صابر، وعندما وصلت لمحطة القرية لم تجد «الركائب» فسارت ومن معها على الأقدام ولما وصلت وجدت القرية مظلمة، سألت عن صاحب الفرح فقادوها إلى بيته وخرج صاحب الدار يتثاءب سائلاً «ماذا تريدون؟»، فقالوا «الفرح»، فقال بسذاجة «ما إحنا أجلناه»، فقال والدها «ولماذا لم تخطرونا تلغرافياً»، فرد بسذاجة «ما هى البلد كلاتها عارفة !»، وقالت أم كلثوم وهى تروى الحكاية : «كنت دائمًا أستأذن والدتى قبل أى اتفاق ونسيت أن استأذنها فى هذه المرة فكانت النتيجة التى أصابتنى بالحمى التى عانيت منها طويلاً».
أذكر هذا بمناسبة فيلم «وداد» الذى قامت ببطولته بأجر خمسة آلاف جنيه، حررنا العقد مع طلعت حرب باشا، وكان موعد التوقيع يوم الإثنين الساعة الرابعة مساء، وكان عندى قضية بالإسماعيلية فأكرمنى القاضى بنظرها قبل غيرها وعدت للقاهرة قبل الميعاد بأربع ساعات وبحثت عن أم كلثوم فى كل مكان لأذكرها بميعاد توقيع العقد ببنك مصر باعتبارى محاميها فوجدتها بالصدفة البحتة عند صديقتها فى حلوان، وقالت ببساطة: «أنا آسفة لأنى حاولت الاتصال بوالدتى لأستأذنها فى توقيع العقد وتعذر ذلك، ويستحيل أن أوقع العقد قبل أن تقول لى والدتى توكلى على الله، انت ناسى ما حدث لى يوم فرح الغربية عندما لم استأذنها»!
وفى سنة 1947 أجريت أخطر عملية فى شبكية عينى اليسرى بعيادة الدكتور العالمى صبحى باشا، وعانيت نفسياً وجسدياً ثلاثة أشهر، وقررت أن أقدم استقالتى من رئاسة «المصور» فمن الصعب أن أكتب يومياً وأراجع أكداس البروفات والعملية لم تنجح بعد، وزارتنى أم كلثوم فأطلعتها على الاستقالة التى مزقتها وهى تقول: «جمال بك أباظة اعتاد أن يختار لى بعض أبيات من أشعار أبو العلاء المعرى، وأبيات لبشار بن برد، وكان كل منهما «كفيف»، وإذا راح البصر تبقى البصيرة استقالة ايه وكلام فارغ ايه ؟»، فظللت أزاول رئاستى للتحرير.
وفى ليلة من الليالى صحبتها لبلدة الوطنى الكبير إبراهيم عبد الهادى باشا التى أحيت بها فرحاً لأحد الأعيان وكان بالسيارة فونوغراف وأسطوانات لمحمد عثمان والحامولى والمنيلاوى وعبد الحى حلمى، كانت أم كلثوم تستمع وتغنى فقلت لها: «لماذا لا تغنى هذه الأدوار القديمة ؟!»، فقالت «هل يصل بى الغرور لمطاولة أولئك الأفذاذ، أنت عايزنى أكون سخرية جماهير المستمعين؟»، وشاء الله أن تصعد وترتفع وتصبح سيدة الغناء العربى لا فى القرن العشرين وإنما فى القرون القادمة، وكنت أقول دائمًا إن هناك عصرين، عصر أحمد شوقى أشعر شعراء العرب، وعصر أم كلثوم زعيمة الطرب، كوكب الشرق التى أرسلها الله رضاء منه ليلتف حولها الملايين، فكان حزبها أضخم الأحزاب شعبية، وجنازتها من أضخم الجنازات، وشاء الله أن يسترد كوكبه إلى جواره فى فردوس الخالدين.
فكرى أباظة «المصور» - 14 فبراير1975

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







