جنة إبداع تخفي ألغامًا رقمية.. لماذا أسدلت مصر الستار على «روبلكس»؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


خلف الأبواب المغلقة يجلس ملايين الأطفال، يمسكون بهواتفهم، منفصلين عن الواقع، غارقين في عالمهم الخاص بلعبة "روبلوكس"، التي تمثل لهم مساحة شاسعة للعب وتكوين الصداقات، لكنها تخفي بداخلها مجتمع موازي يحمل معه تحديات أمنية وأخلاقية غير مسبوقة.

ومع بداية فبراير 2026، استيقظ ملايين الأطفال في مصر على شاشات "رمادية" لا تستجيب، لم تكن مجرد مشكلة تقنية، بل كان قراراً سيادياً من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحجب منصة "روبلوكس" (Roblox) رسمياً.

خلف هذا القرار تكمن قصص مرعبة تتجاوز حدود اللعب الافتراضي، لتصل إلى مناطق شديدة الخطورة تمس أمان البيوت وسلامة الأطفال الجسدية والنفسية.

اقرأ أيضاً| الأعلى للإعلام يهنئ الدكتورة ثريا البدوي بمناسبة تعيينها عضوًا بمجلس النواب

غابة رقمية
بدأت روبلوكس، كمنصة للإبداع وبناء العوالم الافتراضية، ولكنها تحولت تدريجياً إلى "غابة رقمية" يصعب السيطرة عليها، بدءًا من التحرش والاستدراج، حيث رصدت التقارير وجود "غرف دردشة" غير مراقبة، يتخفى بالغون خلف شخصيات كرتونية لاستدراج الأطفال، وطلب صور غير لائقة أو معلومات شخصية، فيما يعرف بـ"الاستمالة الرقمية".

ورغم واجهتها البريئة، احتوت بعض الألعاب داخل المنصة على محاكاة لأفعال منافية للآداب، أو مشاهد عنف لا تناسب الفئات العمرية الصغيرة.

وفضحت صحيفة بلومبيرج الأمريكية، الجانب المظلم من لعبة روبلوكس، وقالت "إن المتحرشين يترصدون بالأطفال من خلالها، ويخدعونهم بواسطة تقديم عملة رقمية وهمية داخل اللعبة يطلقون عليها روبوكس".

وكشفت أنه منذ عام تلقت الشركة ألف بلاغ عن محادثات جنسية بداخل اللعبة مع الأطفال.

من قلب المعاناة
"كانت ابنتي تظن أنها تبني منزلاً في اللعبة، ولم تدرك أن هناك من يحاول هدم براءتها عبر رسائل خاصة"، هكذا وصفت إحدى الأمهات تجربتها قبل صدور قرار الحجب، الذي كان وراءه أم لم تنم قلقاً على طفلها، وأب اكتشف بالصدفة أن ابنه يتحدث مع غرباء في منتصف الليل.

الكرة في ملعب الأهل
حذر خبراء من استغلال بعض الجماعات لهذه المنصات لنشر أفكار متطرفة أو التشكيك في القيم المجتمعية والدينية بين النشء، مؤكدين أن قرار المجلس الأعلى للإعلام، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، هو "خطوة دفاعية" ضرورية، لكنها تضع الكرة الآن في ملعب الأسرة، وأن الحماية لا تبدأ من سد الثغرات التقنية فقط، بل من التوعية والمراقبة الأبوية الفعالة.

اغتصاب البراءة
لم تكن "روبلوكس" أو "بابجي" مجرد أيقونات على شاشات الهواتف، بل كانت بالنسبة للكثير من الأطفال أبواباً سحرية هربوا عبرها من واقعهم، ليجدوا أنفسهم في "فخ" لم يحسب أحد حسابه.

وتصف مرام أسامة، أخصائية تعديل السلوك، هذا المشهد بمرارة، حيث تتبدل ملامح الطفل البريء خلف الأبواب المغلقة، فتذبل ثقته بنفسه، وتنمو بدلاً منها أنياب العدوانية، وينسحب من حضن المجتمع إلى عزلة باردة.

"الطفل يغرق في عالم لا يشبهه"، هكذا حذرت استشاري تعديل السلوك، موضحة أن الإدمان الرقمي يسلب الأطفال مهاراتهم الحقيقية في حل المشكلات، ويستبدلها بمهارات افتراضية زائفة، وبينما يبني الطفل عالماً من "البلوكات" الرقمية، تهدم هذه الألعاب جسور التواصل مع أهله، خاصة حين يجد في اللعبة مفرًا من لوم وعتاب ومقارنات الأهل التي لا تنتهي، ليقع فريسة سهلة في يد بالغين يتربصون به خلف شخصيات وهمية، لممارسة النصب أو التحرش، مستغلين حاجته للاحتواء.

وأضافت أن الحل لا يكمن فقط في الحجب التقني، بل في إعادة الروح للبيوت، وضرورة استعادة "الحوار الدافئ"؛ وأن نسأل الطفل عن تفاصيل يومه، وننمي موهبته الفنية، ونفرغ طاقته في الملاعب الرياضية، فالهاتف ليس إلا أداة ترفيه مؤقتة، وليس "جليساً" للأطفال.

وتابعت إن الأمان الحقيقي يبدأ حين يضع الأهل أيديهم في أيدي أطفالهم، ليبنوا لهم "إطاراً آمناً" من الرقابة الممزوجة بالحب، بعيداً عن صخب العنف الافتراضي وألفاظه المشينة، نحو واقع ينمون فيه بتميز وبراءة.

لقد رفع الستار عن مخاطر "روبلوكس"، لكن المعركة من أجل "إنترنت آمن" للأطفال المصريين ما تزال مستمرة في كل بيت.