نقاش مفتوح

دروس ديجولية من الأزمة الجرينلاندية

محمد عبدالفتاح
محمد عبدالفتاح


يبدو أن ثمة إجماعًا يتشكل فى أفق أوروبا ويدفعها إلى تسريع وتيرة إعادة التسلّح من أجل تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة

ترغب بعض الدول الأوروبية فى الاعتقاد بأن أزمة جرينلاند قد تكون نقطة تحول، أو لحظة استيقاظ للقارة العجوز. بينما يشكك آخرون، أكثر تشاؤمًا، فى ذلك. ففى نهاية الشهر الماضى، تخلى دونالد ترامب، ولو مؤقتًا، عن مغامرة عسكرية للاستيلاء على إقليم الدنمارك ذى الحكم الذاتى. غير أن مجرد تفكير رئيس الولايات المتحدة، القوة العظمى فى العالم، التى يُنظر إليها، أو هكذا كانت، باعتبارها مصدر حماية للقارة العجوز، فى مهاجمة دولة حليفة، ستظل كابوسًا يقض مضاجع القادة الأوروبيين، حتى أكثرهم إيمانًا بالتحالف عبر ضفتى الأطلسى.

«لقد انتهى زمن التبعية الأوروبية»، هكذا كان يُقال يوم التاسع والعشرين من يناير الفائت فى بروكسل، خلف الأبواب المغلقة لاجتماع المجلس الأوروبى للشئون الخارجية. وأكد وزير أوروبى لصحيفة لوموند الفرنسية اليومية، طالبًا عدم الكشف عن هويته: «لقد تلقّينا ما يكفى من الصفعات لنفهم أنه ينبغى الآن أن ننهض.. يمكننا شراء أشياء كثيرة، لكن ليس من بينها الكرامة».

وبعد نقاش مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسى، مارك روته، أعلن ترامب تراجعه عن استخدام القوة لوضع يده على الجزيرة الغنية بالمعادن النادرة، ثم أكد أنه وافق على مشروع «صفقة» ضبابية المعالم قدّمها السيد روته. وهى اتفاقية لا تزال قيد التفاوض مع ممثلى ترامب: نائبه جى. دى. فانس، ووزير خارجيته ماركو روبيو. ويسود التكتل الأوروبى اعتقادٌ أن هذا التراجع لن يكون سوى فترة عابرة، إذ يبدو أن الاستيلاء على جرينلاند فكرة راسخة لدى ملياردير العقارات. فقد أثار ترامب فرضية ضم هذا الإقليم حتى قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لتفادى أزمة جديدة، تحاول أوروبا استخلاص الدروس من «اللحظة الجرينلاندية». وأولها أن عدم الانحناء أمام انتهاك صارخ لسيادة حليف قد أتى ثماره. فحتى تلك اللحظة، ظهر الأوروبيون، وكأنهم خائفون من البرتقالى الساكن فى البيت الأبيض، وكانوا يتجنبون استفزازه، حتى لو أدى ذلك إلى تعرضهم للإهانات علنًا. لكنهم رفضوا، هذه المرة، أن تُرهبهم تهديدات الرسوم الجمركية القاصمة، وفكروا فى تفعيل أداة الاتحاد الأوروبى «لمكافحة الإكراه»، التى تتيح لهم الرد اقتصاديًا.

وقد يكون رفضُ الرأى العام الأمريكى لأى عدوان مُحتمل على جرينلاند عاملًا مؤثرًا فى تراجع ترامب، وكذلك ردّة فعل أسواق الأسهم والسندات، التى أرعبتها فكرة نشوب صراع تجارى. لكن الأوروبيين لاحظوا أنهم، بقليل من الشجاعة، تمكنوا من انتزاع تنازل واحد على الأقل من واشنطن. هنا اكتشف الأوروبيون أنه يجب على أوروبا أن تكون قادرة على الفعل، ولا تكتفى بردّ الفعل.

يبدو أن ثمة إجماعًا يتشكل فى أفق أوروبا ويدفعها إلى تسريع وتيرة إعادة التسلّح من أجل تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة.. موقف لطالما نادى به الجنرال شارل ديجول مع تأسيسه للجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958 وحتى استقالته فى عام 1968، واليوم تعود النزعة الديجولية بقوة حتى وإن كانت على مستوى الخطاب فقط. علمًا بأن تلك الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا التى دعا إليها إيمانويل ماكرون منذ ولايته الأولى أصبحت الآن موضع قبول وترويج من أطراف أخرى، ولا سيما ألمانيا والدنمارك، رغم تمسكهما الشديد بالتحالف الأطلسى. اكتشف الأوروبيون أنهم ارتكبوا خطأً جسيمًا بتخفيضهم الإنفاق العسكرى، واكتشفوا أيضًا أنهم أمام مسألة هوية. فإذا لم يكونوا قادرين ولا راغبين فى حماية أنفسهم، فمن سيكونون إذن؟