مصرنا

حين يسبق الخبرُ العقل

شحاته زكريا
شحاته زكريا


فى صباح عادى قد يستيقظ ملايين الناس على تريند جديد يختلفون حوله ويتجادلون بسببه وربما يتخذون مواقف حادة قبل أن يعرفوا قصته كاملة. مشهد يتكرر كل يوم لكنه يلخص بدقة كيف تغيرت علاقتنا بالخبر وكيف أصبح الانفعال يسبق الفهم والعنوان يسبق الفكرة.. لم يعد الخبر ينتظر اكتمال صورته ولم يعد القارئ ينتظر التحقق قبل أن يكون رأيه. فى زمن الشاشات الصغيرة صار السبق أهم من الدقة وصارت السرعة قيمة أعلى من التمهل. هكذا تغير إيقاع النقاش العام وأصبح العقل فى كثير من الأحيان يسير خلف العنوان لا خلف الفكرة وخلف الانفعال لا خلف المعنى.

المشكلة ليست فى تدفق المعلومات فالمعرفة فى جوهرها نعمة. المشكلة فى غياب الفرز. القارئ يتلقى عشرات الأخبار يوميًا: بعضها صحيح وبعضها مشوّه وبعضها لا علاقة له بالحقيقة أصلًا. ومع الوقت تتآكل المسافة بين الخبر والرأى وبين التحليل والانطباع فيصير كل شيء قابلًا للتصديق ما دام قد حصد تفاعلًا واسعًا. هنا يتقدّم التريند خطوة إلى الأمام ويتراجع السؤال البسيط: هل هذا صحيح؟

الخطر الحقيقى أن الرأى العام قد يُدار بالعاطفة لا بالعقل وبالانفعال لا بالتفكير. قضية مُعقدة يمكن اختزالها فى مقطع فيديو قصير أو فى جملة مبتورة من سياقها فتتحول من موضوع يحتاج نقاشًا هادئًا إلى مادة للغضب والاصطفاف الحاد. فى هذا المناخ لا تُقاس قوة الفكرة بعمقها بل بقدرتها على الإثارة والانتشار.. اقتصاد الانتباه يلعب دورًا حاسمًا فى هذه الدائرة. المنصّات تكافئ ما يلفت النظر لا ما يضيف معرفة. الغضب والسخرية والصدمة ترفع نسب المشاهدة ومع الوقت يتعلم بعض صُناع المحتوى بل وبعض الفاعلين فى الشأن العام كيف يصوغون رسائلهم لتناسب هذا المزاج: تصريح مستفز أو اتهام مباشر أو وعد كبير بلا تفاصيل. المهم أن تبقى فى دائرة الضوء حتى لو خسر المعنى بعضًا من حقه ومع ذلك ليس المشهد قاتمًا بالكامل. السوشيال ميديا فتحت بابًا واسعًا للمحاسبة والشفافية. لم يعد من السهل إخفاء التناقضات أو التراجع عن الوعود دون أن يذكرك بها الجمهور. الأرشيف الرقمى حاضر واللقطات القديمة تعود للظهور فى أى لحظة. هذا الجانب يعيد بعض التوازن ويجعل الكلمة أثقل وزنًا مما تبدو عليه فى منشور عابر.

الإعلام الجاد أمام اختبار صعب: هل ينساق وراء الإيقاع السريع أم يتمسّك بدوره فى التحقق والتفسير وبناء السياق؟ والرهان الأكبر يبقى على وعى القارئ نفسه: أن يتعلم التفرقة بين الخبر والتحريض وبين المعلومة والضجيج وبين الاختلاف المشروع والتشويه المُتعمّد.. فى النهاية المجتمعات لا تتقدم بسرعة تداول الأخبار بل بقدرتها على فهمها. قد يسبق الخبر العقل لحظة لكن المستقبل يصنعه عقل يعرف كيف يتأنّى وكيف يسأل وكيف يضع الحقيقة فوق الضجيج. لأن الكلمة مهما صغر حجمها على الشاشة تظل مسئولية.