مجدي أبو الخير يكتب: أمريكا تختطفُ العالم حديقةً لها! 

مجدي أبو الخير
مجدي أبو الخير


في الثالث من يناير (2026م) استفاق العالم على زلزالٍ مدوٍّ باختطاف أمريكا لرئيس فنزويلا (نيكولاس مادورو)، وزوجته (سيليا فلوريس)، في عملية نوعية نفذتها قوات دلتا، من عقر مجمعه السكني في قلب قاعدة عسكرية شديدة التحصين في كاراكاس. وحجة أمريكا في ذلك دعوى جنائية رفعتها وزارة العدل الأمريكية في (مارس 2020م) ضد مادورو ومسؤولين فنزويليين آخرين. تتهمهم بالتآمر مع جماعات مسلحة كولومبية لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، في إطار ما وصفته السلطات الأمريكية بـمؤامرة إرهاب مخدرات.
وبعيدًا عن تفاصيل تلك العملية، والتي باتت معلومة للجميع، وحتى وصول مادورو وزوجته إلى أمريكا، حيث ستجرى محاكمته أمام محكمة فيدرالية أمريكية وفقًا للقانون الأمريكي لا الدولي، وقد بدأت أولى جلساتها الفعلية في نيويورك في (5يناير2026م)، وقد رفض مادورو لائحة اتهامها له، معتبرًا إياها سياسية. إلا أن اللافت في الأمر أن جُلّ حديث ترامب خلال مؤتمره الصحفي بشأن تلك العملية في نفس اليوم (3 يناير 2026م) دار حوار النفط، وشركات النفط الأمريكية والتي ستعمل داخل فنزويلا، ووعده للصين وروسيا بالحصول عليه، هذا فضلًا عن إدارته هو لفنزويلا مؤقتًا، كل ذلك دون أن يقف كثيرًا أمام حجته الأساسية، والتي من أجلها اختطف مادورو؛ لنكون أمام الهدف الرئيسي من فنزويلا نفسها كأولى دول العالم في احتياطي النفط. زاعمًا أن وزير خارجيته روبيو قد تواصل مع (رودريغيز)، نائبة مادورو، والتي نصّبتها المحكمة العليا للعدل بتوليها الرئاسة في غياب مادورو، كما زعم أنها قالت له: سنفعل كل ما تحتاجونه، وأنها كانت متعاونة لكنها لا تملك خيارًا فعليًا؛ وأضاف ترامب أنها -وقد هددها بمصير مادورو- مستعدة أساسًا للقيام بما نراه ضروريًا لإحياء فنزويلا. ووصف الإجراء بأنه تطبيق لمبدأ مونرو - إشارة إلى مبدأ الرئيس الخامس لأمريكا (جيمس مونرو 1823م)، والذي ينص على رفض أي تدخل أوروبي في شئون دول القارة الأمريكية (نصف الكرة الغربي) وتعتبره عملًا عدائيًّا، مقابل تعهد أمريكي بعدم التدخل في النزاعات الأوروبية- وأطلق عليه مبدأ دونرو، في إشارةٍ إلى (دونالد ومونرو)، ليمثّل السياسة الخارجية الحازمة والقسرية لترامب تجاه نصف الكرة الغربي، بهدف فرض الهيمنة الأمريكية المطلقة عليها، ومحاربة النفوذ الصيني والروسي أو حتى غيرهما -كوبا وإيران- في القارة الأمريكية باعتبارها الفناء الخلفي للولايات المتحدة، مع الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية وحتى الاقتصادية المباشرة،، في ترسيخٍ بات جليًّا لمبدأ القوة فوق القانون.

نعم، ترسيخ مبدأ القوة فوق القانون، والذي بات يتردد بشكل لافت، وفي كل مناسبة أو محفلٍ، على لسان ترامب وفريقه، ليس لإقرار القانون ولا حتى السلام، كما يزعمون، بالقوة، وإنما لاختطاف الدول أنفسها، بأرضها وشعبها، ونهب مقداراتها وثرواتها، صراحةً ودون أدنى مواربة أو خجلٍ أو حُمرة خدّ أو بقيّة دم، وهو ما تمثّل واقعًا في اختطاف مادورو، والذي يعني وقولاً واحدًا (اختطاف دولة). وهو ما نلمحه في قول إحدى مذيعات CNN يوم اختطافه: فنزويلا بعدد سكانها البالغ ثلاثين مليون نسمة صارت ملكًا لأمريكا. لنكون بذلك أمام تحول كارثي في العلاقات الدولية، وسيادة قانون الغاب، ومنطق البلطجة. لوّح ترامب لرئيس كولومبيا بنفس مصير مادورو، مهددًا كوبا هي الأخرى، إلحاحه السمج ورغبته الإمبريالية في ضم غرينلاند، حصاره اليوم لإيران تحت دعاوى ومزاعم بحماية الشعب الإيراني، وقد ثبت كذب ذلك واقعًا في غزة. حديثه عن نفط فنزويلا، وعن ملايين البراميل منه عالي الجودة، والتي هي في طريقها إلى أمريكا، وسيطرته على عائداته الدولارية، وحصاره اليوم لإيران رابع احتياطي له في العالم، ومن قبلُ نهبه ولا يزال لنفط العراق، وعينه على نفط سوريا، وغاز غزة، وعلى منافذ وطرق التجارة، وسلاسل الإمداد؛ لنكون بذلك أمام دولة لا تحمي حديقتها الخلفية باعتبارها أمنًا قوميًّا فحسب وإنما تريد اختطاف العالم ليصبح كله حديقةً لها وحدها، فمَن يتحدث بالسيطرة واقعًا على نصف الكرة الغربي، ويختطف دولًا، ويحاصر ويهدد أخرى بصواريخه الجميلة، وأساطيله الرائعة، وجيشه الأشد فتكًا في التاريخ، حسب قوله، لا يرتاح له بال حتى يسيطر على باقي جوانب الكرة في اتجاهاتها الأخرى، شرقًا وشمالًا وجنوبًا؛ ولن يملأ عينه سوى التراب.
 
لكن، وعلى أية حال، لم تكن أمريكا لتبلغ مخططاتها تلك بين عشيةٍ وضحاها، وإنما بلغت ذلك وفق مخططاتٍ رسمتها لها وباحترافية لا حدّ لها مراكزُ ابحاثها، وأجهزةُ مخابراتها، وأقرّتها دوائر صنع القرار لديها، على تنوع حزبيْها الجمهوري والديمقراطي معًا، وصدّقتها ونفذتها، تارةً بحصار تلك الدول المُستهدَفة وملاحقتها ومطاردتها سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، وحتى عبر مزاعم تقارير حقوقية وأممية إلى غير ذلك إنهاكًا لها وإضعافًا. وأخرى داخل تلك الدول بإثارة الفتن والنعرات الطائفية والعرقية ودقّ الأسافين، إلى غير ذلك من أساليب لم تعُد خافية على مراقبٍ. مثال: يدعمون المعارضة داخل الدول المستهدفة، ويعملون على تعظيمها، وتلميعها وفتح قنوات إعلامها لها لتقضّ بها مضاجع أنظمة تلك الدول لابتزازها من ناحيةٍ، ومن أخرى إضعاف الجبهة الداخلية، وشقّ صفّها. يمنحونها الجوائز لإضفاء الشرعية عليها، ورسالة دعم لهم؛ نوبل للسلام لتوكّل كرمان (2011م) كأول امرأة يمنية وعربية تحصل عليها ﻻ لشيء سوى كونها إحدى القيادات البارزة في احتجاجات اليمن (2011م). نوبل أخرى للسلام لماريا كوريا ماتشادو زعيمة المعارضة في فنزويلا (2025م). السعفة الذهبية للمخرج الإيراني (جعفر بناهي 64 عامًا) في مهرجان كان السينمائي في دورته (78 مايو2025م) عن فيلمه السياسي (كان مجرد حادث)، والذي صُوّر سرًّا. وقد دعا جعفر وهو يتسلم سعفته إلى الحرية لبلاده، وسط تصفيق حار. والغريب أن سعفة بناهي، ونوبل ماتشادو في نفس العام 25. جوائز لم تكن تُمنح لهؤلاء إلا لأهدافٍ أبعد. والأغرب أنهم يلفظون تلك المعارضة فور قضاء وطرهم منهم، وربما يستبقونهم لأداء لُعبة أكبر وأبعد وأكثر براعةً؛ ربما كسيفٍ مسلط يتهددون به الأنظمة القائمة، وربما يستعملونهم ويُراوغون بهم إن جدّ في الأمر جديدٌ. قال ترامب عن ماتشادو -وقد وعدته حال تقلّدها رئاسة فنزويلا لاهثةً خلفها بكامل نفطها وثرواتها- أنها لا تتمتع بالدعم أو الاحترام اللازمين للحكم داخل البلاد. يُومض لها بريق الأمل ثم يطفئه. تتخلّى عن شاه إيران (محمد رضا بهلوي) عام (1979م) واليوم تّلوّح بابنه، ربيبها، (رضا بهلوي)، والذي أعلن في وضوح ﻻ لبس فيه في بداية الاحتجاجات الأخيرة -كما ماتشادو- تقديم إيران على طبق من ذهبٍ إليها، فقط لاعتلاء عرشها، واستعادة فِردَوسِه المفقود.

يُغرقون الدول في الأزمات، وبالمساعدات، وادعاء الحماية إلى غير ذلك ثم يعلمون جهدهم وفي لحظةٍ ما على خطفها. ولم يسلم من مخططاتهم تلك دولةٌ حليفةٌ، كندا وغرينلاند وبنما أمثلة، ورغبته في ضمّها للسيادة الأمريكية. ولا حتى حلف بأكمله، الناتو وأوروبا وإهاناته المتكررة لهم عن قصد. ليكون السؤال، وفي الأخير، هل يسمح العالم لأمريكا باختطافه؟! أم أن لأصحاب الحدائق الخلفية، وكبار هذا الكوكب، رأيًا آخر؟! أم هو اتفاقٌ بينهم؟! أم غير ذلك؟! لكن، وأيًّا كانت الوُجهاتُ والرؤى في ذلك فإنه ﻻ يلومنّ إلا نفسه مَن ﻻ يملك القدرة على حماية أرضِه وشعبِه ومقدّراته، وحتى حديقته، وأنه مَن تخلى عن سلاحه قُتل به.