نورهان أبو عوف
1
فى أول الأمر،
كان يجىء فى الليل فقط،
يلفُّ حول الكرسىّ
ويشمُّ أطراف الجريدة،
كنت أربت على فرائه
وأحسبه ضيفًا خفيفًا.
لكنه
لم يرحل.
صار ينهش من الصور المعلّقة،
يعض على حواف الأسماء،
ويخبّئ المفاتيح
فى جيوبٍ لا أعرفها.
ينبح فى رأسى
حين أنادى شخصًا باسمٍ غريب،
ويهزُّ ذيله
كلّما ضللت الطريق
إلى حجرتى.
يستلقى على لسانى
حين أُحاول تذكُّر دعاءٍ قديم،
ثم يلعق
أطراف كلماتي
حتى تصبح بلا طعمٍ
ولا صوت.
كلبٌ
لا يشيخ،
لا يتعب،
لا يعرف الشفقة.
يقتات من يومى،
ويترك لى
أمسًا هشًّا،
كعظام سمكة
نُسيتْ فى طبق مغطّى
على طاولة مطبخٍ
بلا اسم.
2
لا أتذكّر متى فقدتُ ذاكرتى،
لكنّى أذكر جيدًا
أنهم قالوا لى:
«ما فاتك… لم يكن مهمًا.»
وصدّقتهم.
كلّما فتّشتُ رأسى
وجدتُ تواريخ بلا أحداث،
وأحداثًا بلا شهود،
وأسماءً مُموّهة،
كأن الذاكرة كانت ورقًا خفيفًا
لا يحتفظ بالحبر.
كان داخلى دفترٌ،
تمزّقت صفحاته واحدة تلو الأخرى
كلما حاولتُ أن أكتب فوقها بداية جديدة.
أشعر أننى كنت أعرف كثيرًا،
وأحببت أكثر،
لكن كل الوجوه الآن
تشبه بعضها،
كأن العالم خُلط فى غسّالة
وخرج بلونٍ رمادى.
حين أرى صورة قديمة،
لا أُميّز مَن فيها،
ولا أعرف لماذا كنا نضحك.
العطر الذى كنت أضعه اختفى،
البيت تغيّر مكانه،
والمفتاح الذى أحمله
لا يفتح شيئًا.
يقولون:
«خُذى وقتك… ستتذكّرين.»
لكن الوقت يمرُّ
كحذاءٍ ضيّق
على قدمٍ لا تعرف الطريق.
الوجع الذى لا يُحتمل
هو ذاك الذى لا نعرف سببه،
ولا نستطيع أن نحكيه لأحد،
لأننا… ببساطة… نسيناه.
3
أخذونى إلى الطبيب
كما يُؤخذ شخص
إلى غرفةٍ مضاءة أكثر من اللازم.
جلس أمامي
بهدوءٍ مدرَّب،
وسألنى
ماذا أكلتِ أمس؟
ماذا تحبين فى المساء؟
ما الذى يزعجك؟
أجبته:
لسنا أصدقاء،
وفكرتُ،
لا سبب يدعوه
ليعرف هذا القدر
من التفاهات الحميمة.
طلب منى أن أغمض عينى،
ثم فتح رأسى
بآلاتٍ باردة،
صوّر ما لا أراه،
واحتفظ به
دون إذنى.
صار يعرف
تعرّجاتى،
الفراغات التى لم أصل إليها بعد،
الأماكن التى تتأخر فيها الإشارة،
بينما لا يعرف
كيف أضحك
حين أكون خائفة.
رأى مخى
كما يُرى بيت من الأعلى،
دون أن يسمع
أصوات الساكنين.
حين أفقتُ من التخدير
كان يتأمل الصور
كما يتأمل شخص
مدينةً
لن يعيش فيها.
أردتُ أن أقول له:
لا يحق لك.
هذا الداخل
لم أفتحْه حتى لمن أحب.
لكنه كان لطيفًا،
يشرح لى ما لا أفهمه،
ويطمئننى
بطريقة
تشبه العزاء المؤقت.
غادرتُ العيادة
أخفّ مما دخلت،
وأكثر وحدة.
فى الطريق
شعرتُ بشىءٍ غريب:
أننى سأفتقده.
لا أعرف لماذا.
لم نضحك،
لم نتشارك ذكرى،
لم يعرف اسمى
خارج الملف.
ومع ذلك
تركته
وهو الوحيد
الذى رأى داخلى
كله،
ثم أعاده
إلىّ
ناقصًا.
هل كان صديقًا؟
أم مجرّد شاهد
مرّ
على انهيارٍ صامت
ثم أغلق الباب؟
4
الأمس
يجلس على الطاولة،
واليوم
يظل واقفًا.
الطفولة أقرب
من الصباح،
والمستقبل
بلا صورة.
الزمن لم يعد خطًّا،
صار غرفة
أدور فيها
ولا أجد الباب.
5
الوجوه تتبدّل
أمام عينىّ.
الميت
يجلس بجوارى،
والحىّ
لا أتعرف عليه.
لا أجادل ما أراه،
العين الآن
تملك سلطة
أكبر من العقل.
6
أنا هنا
لكننى لا أعرف
لمن.
الاسم
سقط،
والدور
انتهى.
بقى الجسد
يؤدّى الحركة الأخيرة
بهدوء.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







