إنها مصر

الشهرة السوداء !

كرم جبر
كرم جبر


فى كل مجتمعات العالم، قد تترك امرأة أبناءها وتتزوج بآخر، وقد يعانى الأطفال من أزمات أسرية، وقد تنهار بيوت وتتشكل أخرى، لكن حين يحدث ذلك فى مصر، تُفتح أبواب الإثارة والتشويه، وكأن هذه الوقائع اختراع مصرى خالص.
ليست مصر وحدها مسرحًا للجرائم الشاذة أو الحوادث الغريبة، فمثل هذه الوقائع تحدث يوميًا فى مختلف دول العالم، وتتعامل معها وسائل الإعلام هناك باعتبارها حوادث فردية لا ترقى إلى مستوى الظاهرة.
غير أن المشهد يختلف فى مصر، حيث يجد البعض متعة خاصة فى تحويل الواقعة الفردية إلى «حالة عامة»، والحدث الاستثنائى إلى عنوان دائم للمجتمع بأكمله.
المفارقة أن وسائل الإعلام الخارجية كثيرًا ما تنقل وقائع تشويه المجتمع عن الإعلام المصرى نفسه، ثم تُقدَّم للعالم وكأنها سمات خاصة، وحين يُسأل أصحاب تلك الوسائل يجيبون ببساطة: نحن ننقل عمّا تنشرونه أنتم.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت موجات التهويل والتعميم، أحيانًا بدافع حسن النية، وأحيانًا بسوء قصد، وأحيانًا أخرى جريًا وراء «الترند» وسباق المشاهدات، حتى تحولت بعض المنصات إلى تجارة قائمة على الفضائح، لا على الوعى والمسؤولية.
ولم تعد جرائم الابتزاز الإلكتروني، التى تقتصر على فتيات دفعهن اليأس إلى الانتحار، بل امتدت إلى الأزواج والزوجات وتشويه السمعة ونشر الفضائح، هذه الجرائم موجودة فى كل المجتمعات، لكن الفرق أن هناك من يتعامل معها بحذر، حفاظًا على الخصوصية والكرامة الإنسانية، بينما يجرى عندنا تضخيمها وكأننا نعيش فوق بحيرة من الفضائح.
الإعلام من حقه، بل من واجبه، أن يتناول هذه القضايا، ولا يستطيع أحد منعه ما دام ملتزمًا بالقانون، لكن الفارق شاسع بين تناول يهدف إلى التوعية والإصلاح والردع، وبين تناول يقوم على التهييج والإثارة والتحريض واغتيال السمعة.
وسائل التواصل الاجتماعى قلبت الموازين، واختصرت الزمن والمسافات، ووضعت فى أيدى الناس أدوات تأثير تفوق فى خطورتها القنابل والمتفجرات، وما كان يتم قديمًا عبر منشورات سرية أو شائعات محدودة الانتشار، أصبح اليوم بثًا مباشرًا وفضائح عابرة للقارات.
كانت الدنيا غير الدنيا، وكانت الأخلاق، حتى فى حدها الأدنى، تضع خطوطًا لا يجوز تجاوزها، وكنا فى مصر نتباهى بقيم القرية، وتماسك الأسرة، واحترام الخصوصية، لم يكن الشأن الاجتماعى والأسرى مادة للنهش العلني، ولم تكن البيوت تُفتح على مصراعيها أمام الفضوليين، اليوم نحن فى زمن الإنترنت، انتهكت كثير من المحرمات.
لكن ما يزال ممكنًا بل ضروريًا الحفاظ على حد أدنى من تماسك المجتمع، وعلى شيء من احترام الأسر، وحق الناس فى السمعة والخصوصية، فالفضائح يجب ألا تكون وسيلة للشهرة، ولا الإثارة طريقًا للانتشار، ولا اللعب على أوتار الغرائز بديلًا عن المهنية، إنها «الشهرة السوداء».
ويبقى التحدى الحقيقي: وكيف نُمسك بذلك الخيط الرفيع بين الحق فى المعرفة، وواجب الحفاظ على الكرامة الإنسانية؟