رغم التقدم الطبي وتزايد الوعي بالأمراض العصبية، لا تزال النساء يدفعن ثمنا مضاعفا في مواجهة مرض الزهايمر، فالإحصاءات تؤكد أنهن الأكثر عرضة للإصابة، وغالبا في أعمار أبكر من الرجال، بينما تبقى معاناتهن الحقيقية محجوبة خلف تفسيرات سطحية تُرجع الأعراض إلى الإرهاق أو التقدم في العمر.
وبين هذا الإهمال الصامت، يبرز سؤال هل يمكن لتدخلات بسيطة، مثل التغذية السليمة وأحماض أوميغا 3، أن تحدث فارقا حقيقيا في الوقاية؟
اقرأ أيضًا| سرعة كلامك ممكن تكشف مبكرا عن مرض الزهايمر
تظهر الدراسات الطبية، بشكل متكرر أن مرض الزهايمر لا يضرب الرجال والنساء على قدم المساواة، إذ تعد النساء الفئة الأكثر تأثرا بهذا الاضطراب التنكسي العصبي، سواء من حيث نسب الإصابة أو توقيت ظهور الأعراض، ورغم ذلك لا تزال قضايا الصحة العصبية والنفسية للمرأة بعيدة عن دائرة الضوء، خصوصًا في مراحل المرض المبكرة.
في كثير من الأحيان، يتم تجاهل العلامات الأولى للزهايمر، مثل النسيان المتكرر، القلق غير المبرر، أو لحظات الارتباك، ويجري التعامل معها على أنها ضغوط حياتية أو مظاهر طبيعية للشيخوخة، لكن الواقع الطبي أكثر تعقيدًا، فالزهايمر مرض تدريجي لا يتطور بشكل مفاجئ، بل تبدأ أعراضه بالظهور على مدى ستة أشهر إلى عام، وغالبًا بعد سن الخامسة والستين، مع إمكانية الإصابة في أعمار أقل.
ويشرح الدكتور أرون شاه، مدير قسم علوم الأعصاب في مستشفى سير إتش إن ريلاينس فاونديشن، أن المرض يبدأ عادة بفقدان الذكريات الحديثة، كنسيان المحادثات أو الأحداث القريبة، أو حتى تفاصيل بسيطة مثل الوجبات اليومية، ومع تقدم الحالة، تتفاقم الأعراض لتشمل ضعف القدرة على الحكم واتخاذ القرار، وصعوبة أداء أكثر من مهمة في الوقت ذاته، إضافة إلى مشكلات في التعرف على الأشياء، واضطرابات لغوية، وتغيرات سلوكية ملحوظة.
ويؤكد شاه، أن النساء أكثر عرضة للإصابة لعدة أسباب متداخلة، من بينها ارتفاع متوسط أعمارهن مقارنة بالرجال، والتغيرات الهرمونية المرتبطة بسن اليأس، والتي تقلل من الحماية العصبية الطبيعية للدماغ.
كما تلعب العوامل الاجتماعية والثقافية دور مهما، مثل محدودية فرص التعليم لدى بعض النساء، وارتفاع احتمالية حملهن لجين APOE4 المرتبط بزيادة خطر الإصابة بالزهايمر.
ومع تصاعد الزهايمر ليصبح أحد الأسباب الرئيسية للإعاقة عالميا، تتزايد الحاجة إلى حلول عملية ومنخفضة التكلفة، لا سيما في الدول ذات الدخل المنخفض.
ويشير الدكتور ساشين أدكيا، استشاري أول في طب الأعصاب وباحث حائز على جوائز دولية من مستشفى الدكتور إل إتش هيرانانداني في مومباي، إلى أن الصحة العقلية لكبار السن، وخاصة النساء، غالبًا ما تُهمل في هذه البيئات، ما يجعل التدخل المبكر أكثر إلحاحًا.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الدور المحتمل لأحماض أوميغا 3 الدهنية في حماية الدماغ. فهذه الأحماض، وعلى رأسها DHA وEPA، تُعد مكونات أساسية لصحة الجهاز العصبي، إذ تدعم وظائف النواقل العصبية وتحافظ على سلامة أغشية خلايا الدماغ، وتشير الدراسات إلى أن ما يقارب 50–60% من وزن الدماغ يتكون من الدهون، وتشكل أحماض أوميغا 3 المتعددة غير المشبعة نحو 35% منها، بينما يمثل حمض الدوكوساهيكسانويك (DHA) أكثر من 40% من إجمالي هذه الأحماض في أنسجة الدماغ.
ويوضح الدكتور أرون شاه، أن أوميغا 3 تلعب دورًا مهمًا في تحسين الإدراك، وحماية الخلايا العصبية، والحد من التنكس العصبي، من خلال تحسين سيولة غشاء الخلية العصبية وزيادة كفاءة نقل الإشارات العصبية وإطلاق النواقل الكيميائية في الدماغ.
من جانبه، يشير الدكتور أدكيا إلى أن هذه الأحماض، المتوافرة في الأسماك الدهنية أو على هيئة مكملات غذائية، ترتبط بانخفاض معدلات التدهور المعرفي، خاصة عند استخدامها في مراحل الوقاية أو الضعف الإدراكي البسيط، وليس في الحالات المتقدمة من المرض. كما أن فوائدها القلبية الوعائية تعزز من قيمتها، لا سيما في ظل العلاقة الوثيقة بين أمراض الأوعية الدموية وتفاقم الخرف.
وتُظهر تجارب سريرية أن تناول أوميغا 3 قد يساهم في تقليل مضاعفات القلب والأوعية الدموية لدى المرضى المعرضين لمخاطر عالية، خاصة أولئك الذين يتناولون أدوية خافضة للكوليسترول.
لكن التحدي الأكبر يظل في الدول النامية، حيث تواجه النساء المسنات عقبات متعددة، من بينها الاعتماد المالي، والتحيزات الثقافية، وصعوبة الوصول إلى الأخصائيين، ما يعيق التشخيص المبكر والعلاج الفعال.
ويرى الخبراء أن التدخلات الغذائية الموجهة، مثل تعزيز الأنظمة الغذائية الغنية بأوميغا 3، وتوفير مكملات منخفضة التكلفة عبر الرعاية الصحية الأولية، يمكن أن تمثل حلولًا واقعية ومؤثرة.
غير أن هذه الخطوات، بحسب الدكتور أدكيا، تحتاج إلى دعم مؤسسي يشمل برامج فحص مبكر، وتمويلًا عامًا، وتوفير دعم لمقدمي الرعاية، كما تشير أدلة حديثة إلى أن النساء المصابات بالزهايمر قد يعانين من انخفاض مستويات أوميغا 3 في الدم، ما يعزز الحاجة إلى أبحاث تراعي الفروق بين الجنسين.
ويخلص الخبراء إلى أن أحماض أوميغا 3 تمثل جزءًا مبررًا من استراتيجية وقائية قائمة على مبدأ “الغذاء أولًا”، لكن فعاليتها القصوى تتحقق فقط عند دمجها ضمن رؤية شاملة تشمل رعاية صحية موجهة للنساء، وفحصا مبكرا، ودعما مجتمعيا وبحثيا، لتحويل هذا الأمل العلمي إلى فائدة صحية ملموسة.

مشروبات الطاقة.. أضرار ومضاعفات خطيرة
«اللبن المتجمد أم القاطع».. أيهما أفضل للاستخدام
جددي في مطبخك.. طريقة تحضير فيليه اللحم بحشو الخضار







