بدون أقنعة

هكذا هى الحياة

مؤمن خليفة
مؤمن خليفة


لم يكن يشاركهم فى حضور جنازاتهم حتى أنت يا صديقى العزيز لا تحرص على هذه العادة فماذا تنتظر من الآخرين

فى أحد أيام شهر أكتوبر قبل عامين ذهبت لعزاء صديق عزيز جدًا فى وفاة والده رحمه الله.. كان العزاء فى دار مناسبات اختارها صديقى بجوار منزل الوالد فى مدينة نصر.. حرصت على الحضور مبكرًا حتى أكون بجانبه منذ بدء العزاء.. كنا خمسة أشخاص فقط على باب الدخول.. شقيق المتوفى وأنا وصديقى وابنه الشاب وزوج ابنته.. فى الداخل يوجد حوالى نصف صف فقط وبقية المقاعد خالية حتى إن المقرئ كان يطيل فى التلاوة انتظارًا لحضور المعزين.. الوقت يمر بعد صلاة المغرب ولا أحد يحضر إلا نفرًا قليلًا جدًا وكنت أسأل نفسى أين الأهل والأصدقاء أو حتى زملاؤه فى عمله السابق أستاذًا فى إحدى الجامعات.. المهم تخطينا التاسعة مساء والقاعة لا تزال خالية وموعد انتهاء العزاء يوشك على النفاد وعدد من حضر قليل جدًا مقارنة بمناسبات عزاء حضرتها وكان المقرئ يختم القراءة كل ربع ساعة من شدة زحام المعزين.. انتحى بى صديقى جانبًا ومظاهر الحزن والحيرة على وجهه وكان يتعجب فسألته: ألم تخبر الناس بموعد العزاء فقال: لا لقد كتبت على صفحتى على فيسبوك وأعتقد أن الكثير على علم بالوفاة وموعد العزاء، فقمت بمواساته قائلًا: لو حضر المئات فلن يعيدوا المتوفى إلى الحياة فلا تحمل نفسك ما لا طاقة بك!
بعدها بأيام التقينا مرة أخرى وسألنى بشكل مفاجئ عن تفسيرى لما حدث ووجدت نفسى أجيب عن سؤاله وحيرته وأنا فى أشد حالات الحرج أن الوالد على حد علمى لم يكن يقوم بواجب مجاملة معارفه وأنه لم يكن يشاركهم فى حضور جنازاتهم حتى أنت يا صديقى العزيز لا تحرص على هذه العادة فماذا تنتظر من الآخرين؟
كانت إجابتى بمثابة الصدمة لصديق العمر الذى ظل صامتًا بعض الوقت.. والحقيقة التى صادفتنى وقتها وكانت غائبة عنى أن أى شخص يحرص على مجاملة أصحابه بقدر الإمكان فسوف يجدهم حينما يحتاج إليهم، فالحياة أخذ وعطاء وكما قال رب العالمين فى سورة الإسراء «وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه» بمعنى أنك أنت مسئول عن أعمالك وسوف تلقى جزاءها وهذا الجزاء ملازم لك كأنه شىء فى عنقك ولا يفرّ منك. وكل ما ستفعله فى الدنيا محاسب عليه وكذلك يوم أن تلقى ربك الكريم.
الرسول عليه الصلاة والسلام أوصانا بحسن المعاملة لغيرنا وأن نواسيهم فى أحزانهم ونزورهم فى مرضهم وألا نتأخر عليهم.
على جانب آخر حضرت عزاء أحد جيرانى وشهدت طابورًا طويلًا على جانبى باب دار المناسبات.. الكل يقف متأهبًا وهذا يأخذ المعزين ليجلسهم وذاك يتحرك تجاه المعزين ليتأكد أنهم لا يحتاجون شيئًا وهؤلاء ليسوا جميعًا من أهل المتوفى الذى لم يكن يشغل مركزًا مرموقًا كما كان الحال فى والد صديقى.. واللافت للنظر أنى شاهدت عددًا من ضباط القسم محل سكن المتوفى حرصوا على العزاء وزحام شديد والمقرئ لا يكاد يقرأ إلا ويختم وتخرج أفواج من المعزين ويأتى آخرون وكل هذا لم يكن ليحدث لولا أن المتوفى رحمه الله كان حريصًا هو وأهله وأبناؤه على مجاملة جيرانهم فى كل المناسبات.
إن تدين تدان.. إذا فعلت خيرًا سيعود إليك خيرًا والعكس كلما فعلت شرًا فلن تحصد سوى الشر.. صحيح أن كثيرًا من أصحاب الوظائف العليا يُحتفى بهم فى مناسباتهم وهذا مردوده أن الكثير من مرؤسيهم يحرصون على ذلك طمعًا فى ترقية أو مكأفاة أو عطايا وحينما يتوفى الشخص نفسه لا يسير فى جنازته إلا النزر اليسير من البشر والنماذج كثيرة فى حياتنا.. اللهم أحسن ختامنا.