محمد كمال
كان اللقاء الأول بين النجمين مات ديمون وبن أفليك في مدينة كامبريدج عام 1980، حين لم يكن ديمون قد تجاوز عامه العاشر، بينما كان أفليك في الثامنة من عمره، لقاء طفولي عابر، لم يكن أحد ليتنبأ بأنه سيؤسس لصداقة ستصمد أمام الزمن، وتتحول لاحقًا إلى واحدة من أشهر الشراكات الإبداعية في تاريخ هوليوود، مع أواخر الثمانينيات قرر الصديقان أن يشقا طريقهما نحو السينما، ففتحا حسابًا مصرفيًا مشتركًا، يودعان فيه ما يحصلان عليه من أدوارهما المبكرة، ويوفران منه نفقات تجارب الأداء، في خطوة بسيطة تحمل وعي الحلم وإصرار البدايات.
جاء تتويج هذا التعاون المتواضع عام 1997، حين شارك الثنائي في تأليف وكتابة سيناريو فيلم “Good Will Hunting”، وشاركهما البطولة آنذاك النجم روبن ويليامز، لم يكن الفيلم مجرد نجاح جماهيري، بل لحظة اعتراف رسمي بموهبتهما، توِجت بحصول ديمون وأفليك على جائزة “الأوسكار” لأفضل سيناريو أصلي.
ومنذ ذلك الحين لم تنقطع التجارب المشتركة بين الصديقين، وكان أحدثها مشاركتهما في بطولة وإنتاج الفيلم الأمريكي “The Rip” مع منصة “نتفلكس”، من تأليف وإخراج الأمريكي جون كارنهان، وشارك في البطولة تاينا تايلور وساشا كالي والكولومبية كاتالينا ساندينومورينووالكوري الجنوبي ستيفن يونإلى، جانب حضور خاص لنجم الأكشن الإنجليزي سكوت أديكنز.
يشتهر المخرج جون كارنهان بتخصصه في تقديم أفلام الحركة ذات الطابع البوليسي الدرامي، وقد لمع اسمه بقوة مع فيلم “Narc” عام 2002، ثم توالت تجاربه مع نجوم مثل ميل جيبسون وجيرارد باتلر وليام نيسون، إلا أن هذه المرة، يقف كارنهان أمام نجمين أكثر حضورًا وثقلًا جماهيريًا وموهبةً، وهو ما انعكس بوضوح على مستوى الفيلم مقارنة بأعماله السابقة.
تعاون كارنهان في فيلم “The Rip” مع الكاتب المتخصص في الدراما التلفزيونية مايكل ماكجرال، ويشير تتر البداية إلى أن الفيلم مستوحى من أحداث حقيقية، أو من عملية واقعية نفذها فريق من وحدة “TNT”، أي “فريق مكافحة المخدرات التكتيكي”، وتتمحور مهام هذه الوحدة حول مداهمة أوكار تجارة المخدرات، ومصادرة الأسلحة والأموال، وتحديدًا مسألة مصادرة الأموال التي تشكل العمود الفقري لدراما الفيلم.
يفتتح الفيلم بمشاهد قصيرة وسريعة داخل قسم شرطة ميامي، موزعة بين غرفتين، الأولى تضم محققين فيدراليين يتوليان التحقيق مع فريق “TNT” في مقتل جاكي فيليز قائدة الوحدة، بينما الغرفة الثانية تجمع رئيس القسم بالضابط “داين” أحد أفراد الوحدة والذي سيتولى قيادة الفريق بعد مقتل جاكي.
يتنقل الفيلم بين الغرفتين عبر مونتاج متوازٍ، ليكشف تدريجيًا أن القضية لا تتعلق فقط بمقتل شرطية، بل بشبهة خيانة من الداخل، إذ يعتقد الفيدراليون أن هناك خللًا خطيرًا في عمليات سابقة لمصادرة أموال المخدرات، وأن أحد أفراد الشرطة متورط في التعاون مع عصابات كولومبية، هذا الشك يثير غضب داين وزميله “جيه دي” نظرًا لقربهما الشديد من جاكي وإيمانهما بأن رجال الشرطة يقدمون حياتهم قربانًا في مواجهة الجريمة، لا سيما تجارة المخدرات، ويصل التوتر ذروته حين يدخل جي دي في صدام عنيف مع المحقق الفيدرالي، الذي يتضح لاحقًا أنه شقيقه الأصغر.
غير أن الثقة تبدو مفقودة داخل أروقة هذه الوحدة، فالإجراءات المتبعة تنص على عدّ الأموال المصادَرة في موقع العثور عليها قبل نقلها، حفاظًا على سلامة القضية، وهو إجراء يفتح باب التلاعب على مصراعيه، خصوصًا لمن يملكون علمًا مسبقًا بالعمليات، ويجدون في التنسيق مع العصابات فرصة للثراء والخيانة.
في مساء اليوم نفسه، يفاجئ داين أفراد فريقه بمعلومة عن عملية جديدة، بعد تلقيه رسالة نصية تفيد بوجود مبلغ يقدر بـ20 مليون دولار في أحد منازل الضواحي، ويطلب منهم عدم إبلاغ أحد في القسم، بحجة أن المعلومة غير مؤكدة ولم تصله بشكل رسمي، مدعيًا أنه نسق شفهيًا مع رئيس القسم.
يصل الفريق إلى المنزل الذي تمتلكه فتاة كولومبية تدعى “ديزي” ورثته مؤخرًا عن جدتها المتوفاه، ويعثر الفريق على المخدرات، وتبدأ عملية عد الأموال داخل المنزل، ومعها يبدأ الشك في التسلل إلى النفوس وتتآكل الثقة بين الجميع، لا سيما تجاه داين، الذي لم يوثق شيئًا رسميًا، ما يدفعه للدخول في مواجهة حادة مع صديقه جيه دي.
يتصاعد الغموض حين نكتشف أن داين أخبر كل فرد من الفريق بمبلغ مختلف، وأن الرسالة السرية كانت قد أرسلتها له جاكي قبل مقتلها مباشرة، ومن هنا تتضح خطته حيث استخدام الأموال كطُعم لكشف الخائن الذي يتعاون مع العصابات الكولومبية، والتي تسببت في مقتل جاكي، وأن حبكة الفيلم اتخذت مسارا يشكك في سلطة القانون ومعايير تطبيقه، ويؤكد أن المؤامرة تدور داخل صفوف الشرطة نفسها، من خلال فاسدين يختبئون خلف الروتين والإجراءات المعتادة، مستغلين لحظة عد النقود في موقع الضبط، ليحول داين المال إلى اختبار أخلاقي يكشف من يطمع في الغنيمة.
تدور أحداث الفيلم خلال ليلة واحدة، تبدأ مع المساء وتمتد حتى ما قبل شروق الشمس، تتكثف العتمة داخل المنزل ويتحرك الجميع تحت جنح الظلام المغلف بضباب خفيف، وهو اختيار زمني مقصود، يعكس الهاجس الوجودي الذي يلازم رجال الشرطة، هل سأرى شمس الغد؟، ثم هاجس آخر أكثر قسوة، يطارد داين كقائد جديد من هم الأخيار، ومن هم الأشرار، داخل هذه الوحدة؟
جاءت بداية الفيلم سريعة ومشحونة بالتوتر، مدعومة بالمونتاج المتوازي الذي رفع منسوب الإثارة، وهو ما تكرر داخل منزل ديزي، حيث تحولت كل شخصية إلى موضع شك، وتصاعدت الأسئلة: “ما الذي يخطط له داين؟، هل جيه دي هو الخائن؟”، أسئلة تتوالد مع تبدل الشكوك، وتغير موازين التعاطف بين الشخصيات.
غير أن ما يؤخذ على الفيلم هو جنوحه إلى نهاية تقليدية، إلى جانب إقحام بعض القوالب النمطية المألوفة في هذا النوع من الأعمال، الضابط الذي فقد ابنه، والآخر الذي خسر حبيبته، فضلًا عن تهميش الشخصيات النسائية، وتراجع أدوار الشرطيتين “نوما” و”لولا”، رغم أن أحد أفضل مشاهد الفيلم جمع بينهما، حين كشفت لولا أن دخلها السنوي لا يتجاوز 80 ألف دولار، وهي تخاطر بحياتها لاستعادة أموال تجارة المخدرات، بينما ترفع نوما رزمة صغيرة من الأوراق النقدية، متسائلة بصوت مرتفع كيف لمبلغ يبدو متواضعًا أن يغير حياة كاملة؟،
أضفت موهبة مات ديمون وبن أفليك ثقلًا واضحًا على العمل، ومن الممتع رؤيتهما في أدوار طالما احتكرها مؤخرًا ممثلون ذوو أداء باهت مثل جيرارد باتلر وليام نيسون، لكن الأداء الأبرز في الفيلم كان للممثلة الأمريكية ساشا كالي، التي قدمت شخصية ديزي بحضور لافت وأداء متوازن، نجحت من خلاله في تجسيد الخوف والقلق والشك بمهارة عالية.
جاء اختيار عنوان الفيلم “The Rip” أي “التمزق” موفقًا للغاية، على عكس الترجمة العربية التي اختارتها منصة نتفلكس بعنوان “ليلة القبض على المال والثقة” وهي ترجمة تجارية غير موفقة، فكلمة “The Rip” تحمل دلالتين أساسيتين، الأولى تشير إلى التمزق والانقسام داخل وحدة “TNT” بسبب الفساد والخيانة، والثانية تحيل إلى معنى “الاحتيال” في إشارة إلى تواطؤ بعض رجال الشرطة مع عصابات المخدرات، خاصة أثناء عملية عد الأموال في موقع الضبط.
تعد هذه العملية أكبر ضبط لأموال المخدرات في تاريخ قسم شرطة ميامي، وفي ولاية فلوريدا عمومًا، عملية بدأت مع غروب الشمس، وانتهت مع بزوغ الصباح، حين اتجه داين وجيه دي إلى أحد الشواطئ، وجلسا معًا، يراقبان شروق شمس يوم جديد.. شمس لا تمحو الأسئلة، لكنها تمنح فرصة أخرى للنجاة.
اقرأ أيضا: فيلم الأكشن Gladiator II يحقق 87 مليون دولار عالميا
رقص آسر ياسين فى الشارع يُشعل السوشيال ميديا
ابن راغب علامة أخر ضحايا الـ AI
طلاق أصالة نصرى .. باطل







