قلب يجر صخرة

قلب يجر صخرة
قلب يجر صخرة


يقين الأنقر


لم تكن نور تتخيل أن تقودها رغباتها إلى مكان كهذا، تجلس فى بيتٍ هشٍّ تفوح أرضيته برائحة غبارٍ مُعتّق؛ مستسلمة أمام عجوزٍ خرفة تحرق خيوط صوف النيرة وتحولها إلى رماد بعد أن تتلوى تحت لهيب شمعة ذائبة، ثم تحشوها داخل حبات تمر صغيرة، فتتحول نظراتها اللامبالية فجأة إلى أخرى آمرة، تحرك شفتيها المشققتين وهى تمد حبات التمر قائلةً: «قولي... أنا خيط وأنت حيط». 

لم تستوعب نور ماذا يحدث هنا، لكنها شعرت بالإهانة من نظرات العجوز وهى تفكُّ الحِصن المزعوم، فأرسلت النظرات المحتجة لجدتها: كيف سآكل تمرًا محشّوًّا بالرماد؟ لكنّ الحاجّة ترجتها بعينيها المتعبتين ألا تحدث ضجةً من شأنها إفساد العرس، فانصاعت نور للواقع ساخرةً من نفسها، فهى من انصاعت أولًا لرغبة جامحة سكنت طويلًا داخلها، وها هى الآن تتجهز لتكون عروسًا يشتهيها زوجها، وتزيل التصفيح ليصبح التهامها ممكنًا.

كان المكان يعج بالمدعوين من كل أنحاء فسانو، لم تكن تعلم بأنّ لجدها كل هؤلاء المعارف، ولم تكن تعرف، قبل سنةٍ من الآن، بأنّهم ينتمون إلى هذه البقعة من البلاد، وأنّ هربهم من طرابلس بحجّة الحرب امتدّ، وأصبح مشروع استيطان.

تنفست بعمقٍ وهى تحاول أن تركز على الجانب المبهرج والمبهج من هذا الحدث، نهضت تبحث عن كوب ماء آخر، فمذاق حبات التمر ورماد خيوط النيرة لا زال يلتصق بلسانها، تمامًا مثل ذلك الزوج الذى لم تجره كرامته بعيدًا عنها بعد أن رفضته مرارًا، يظن بأنه قد تغلب على عنادها وجعلها زوجته رغمًا عنها، ولكنه غبيٌّ مثل بقية أفراد هذه العائلة، فلا شيء يجبرها على أمرٍ ما، وما كانت لتقبل إلا لغايةٍ فى نفسها.

أمسكت الكوب وابتسمت ابتسامةً متحمسة قبل أن تفضى به داخل جوفها، ربما ستكون حياتها الزوجية غريبة، وربما لن يتفقا أبدًا، لكنها، على الأقل، ستعيش بعيدًا عن هذا المكان، وستكون حرّةً بما يكفى لتبحث عن الحقيقة.

عادت نور لتجلس فى صدر المجلس، بثوبها الوردى المطرّز بالحرير، والضوء يتكسر على أساورها الذهبيّة الثقيلة فيجعلها كأنها تحمل شمسًا صغيرة فى معصمها.

وُضع أمامها إناء الحنّة، تحيطه دانتيل مطرّزة وأشرطة بلون الزهر، وفى قلبه يجلس عددٌ من البيض الصامت كحارسٍ أبيض، محاطٌ بشموعٍ صغيرة تذوب على مهل، تنثر نورًا يطرد ظلال القلق.

تسللت رائحة الحنّاء لتغطّى على الرائحة الحارقة التى تنبعت من الكحول الإيثيلي: نافذة وحادّة جدًّا، تلسع الأنف.

كانت النساء تتمايل على أصوات الدف والأغانى الشعبية، والأطفال يركضون داخل الخيمة رفعت نور مروحتها الريشية الوردية، تخفى نصف ابتسامتها، وتفكّر بأن الخوف من فيروس كورونا لم يكن قويًّا بما يكفى ليوقفهنّ، وتساءلت إن كان هذا شيئًا جميلًا أم قلّة حذرٍ منهنّ! لكن حين بدأت يد جدتها ترسم خطوط الحنّة الأولى على كفها استسلمت لشعورٍ آخر؛ إحساس أن ما يجرى حولها أكبر من الخوف نفسه حين انتهت جدتها من رسم الحنّة على كفيها، مدّت العجائز أيديهن نحو البيضات الموضوعة على الحنّة، يتقاسمنها بمرحٍ طفولي، وتعلو ضحكاتهن المتقطّعة وهنّ يُشدن بطعمها وبركتها. 

فى ذلك اليوم شعرت نور أن قلبها خفيفٌ مثل ريشة، وأنّ احتشاد كل هذه البهجة فى هذا المنزل الضعيف جعلها تشعر بالأمل قطع تفكيرَها صوتُ جدتها وهى تناديها: «نور تعالي، محمد يراجى فيك.»

للحظات لم تستوعب من يكون هذا الذى ينتظرها فى مثل هذا الوقت من مسرحية حياتها، لكن سرعان ما أدركت أنه بطل القصة، ابتسمت بخفّة وذهبت خلف جدّتها.

عدلت هيئتها قليلًا قبل أن تدخل الغرفة، ثم دخلت بهدوء وثقة تنافيان فضولها المتأجج، وقعت عيناها على شكله، بدا لها بأن هالة غريبة جدًّا تحيطه، وما إن لاحظ تأملها له حتى ابتسم قائلًا: «كيف حالك؟»

أجابت: «مرات نكون بخير لو عرفت منك سبب إصرارك على الزواج مني» ابتسم بسخرية، فكر بأنها تبدو حلوةً جدًّا وهى تضم حاجبيها وتنظر له بتركيزٍ مشبكةً أصابعها معًا فى انتظار رده، لم يُجِب على سؤالها وقد غاب تركيزه بعيدًا وهو يتذكر المرة الأولى التى شاهد فيها ملامحها الفضولية هذه.

كانت تلك المرة هى المرة الأولى التى يزور فيها قرية فسانو، جاء من مصر مع والده لرؤية العائلة، لم يتوقع أن تتحول زيارة عائلية إلى اتفاق مجنون كهذا، كانت ستتحول إلى أسوأ ذكرى يعيشها فى ليبيا، فقد قرر والده وجده أن مصير ابنة عمه فى يده، عليه أن يتزوجها حتى يكون زيتهم فى دقيقهم وألا تذهب بجمالها ومالها للغريب!

أمسك حينها محمد ملامحه عن رسم الازدراء وهو يفكر بشكل العجينة التى ستتكون من مزج زيتٍ ودقيقٍ مصدره هذه العائلة، لمَ ننتظر نتيجةً مثيرة من مزج المتشابهات؟ ولمَ نرى أن موادنا الخام قد تهان إن هى مزجت مع مواد غريبة؟!

لم يستوعب محمد جدية الموضوع حتى هدده جده بالحرمان من الميراث والنبذ من العائلة وأشياء يظن الجميع أنها مخيفة، ولكن بالنسبة إلى رجلٍ شهد موت والدته العاجزة، وعاشَ بعيدًا عن والده؛ لا تعنى العائلة له شيئًا، وكل هذه التهديدات تفضح جهل الجد بحفيده.

شعر محمد حينها بتوتر والده وتشنج عضلاته، فقرر إنهاء هذه الجلسة التوبيخية بالموافقة على قرار جده، لم يكن يشعر حينها بأنه مجبرٌ على شيء، ولا أنه يضحى لينقذ أحدًا ما، ولكن ما من شيء قد يضره من هذه الزيجة، وقد تكون نظرات والده المذهولة من قراره السريع انتصارًا من نوع ما.

خرج من غرفة جده وهو يفكر بزواجه الغريب هذا، وبأن زيته سيمتزج مع دقيقٍ ما! رفع رأسه بسرعة ما إن أحس بدخولٍ صارخٍ لفتاةٍ تبدو فى العشرينيّات من عمرها بشعرٍ غجريٍ وأنفاسٍ عنفوانية، أمسكت يد الجدة وسحبتها خلفها بسرعة متجهةً للخارج، كانت تبدو متحمسةً ولم تلحظ من المحيط سوى ما التقطه بصرها، تبعهما محمد إلى الخارج وقد حركت طاقتها العالية شيئًا من الفضول فى داخله، وقف بعيدًا ينظر لها وهى تشرح لجدتها كيف استطاعت القطة أن تمسك العصفور وهو يحاول الوقوف على جردل الماء ليرتوي، ثم أبعدت القطة عن العصفور وجلست تنتظره بفضول وهو يحاول الطيران من جديد، كانت ملامحها الناعمة تؤكد أن هذا العصفور يستطيع الطيران بجناحٍ واحد؛ مما جعل محمد يصدق ذلك وينتظر تحليقه بفضول متأجج.

استفاق من ذكرياته على حمحمة نور، فأجاب وهو لا يزال يحتفظ بابتسامته: “لمَ تزوجتك؟ ربما لأنى وجدت دقيقًا فاخرًا”، لم تكن الإجابة مرضية لها، فعدلت جلستها لتبدأ فى سرد شروطها بجدية فلا وقت لتضيعه، وقبل أن تنطق بشيء قال: «سنذهب للعيش فى مصر بعد آخر أيام العرس.»