البلح أو التمر «بطل» مائدة الإفطار بلا منازع، لا يخلو منه بيت أو مسجد أو مطعم، حتى فى الطرق يوزعونه «لتكسر» صيامك على «السنة النبوية»، هو ليس مجرد فاكهة، هو طقس دينى واجتماعى يرتبط بقدوم شهر رمضان الكريم.. حث النبى صلى الله عليه وسلم على تناوله والإفطار عليه، ثم أثبت العلم الحديث قدر فوائده العديدة واحتوائه على عناصر غذائية فعالة تعوض الصوم الطويل، ومع اقتراب روائح رمضان التى هلت علينا من كل صوب وحدب، بدأت أسواق التمور فى مصر تستقبل طلائع المحاصيل من أسوان وأسيوط والوادى الجديد وسيوة.. كما شهدت خريطة هذا العام تواجدًا قويًا للبيع أون لاين سواء المستورد القادم من الأردن والسعودية، أو المزارع المحلية التى تخصصت فى إنتاج الأصناف الخليجية المشهورة وعلى رأسها المجدول، الصقعى، السكرى، المفتول، الخضرى، وعجوة المدينة.
اقرأ أيضًا| بـ"الكرفتات".. زينة رمضان في وكالة البلح عنوانها الشياكة
بينما يستعد الجميع لشراء زينة رمضان، يرفع ساحل روض الفرج، شعار «البلح أولاً»، هنا واحدة من الوكالات التاريخية التى تفوح برائحة التراث، يتحول الساحل إلى خلية نحل تستقبل خير الصعيد، لترسم خريطة إفطار المصريين من أسوان إلى الإسكندرية.
ورفع ساحل روض الفرج بشبرا ستارة العرض عن البطل الأول لمائدة الإفطار، هنا، وسط زحام الوكالات العتيقة ورائحة الخيش الممزوجة بعرق الشقيانين، نرى لوحة مرسومة بتدرجات اللون البنى، تعلن أن قطار تمور الغلابة والأكابر قد حط رحاله أخيرًا فى قلب القاهرة.. ويتميز سوق الساحل ببيع البلح بالجملة، والقطاعى، مما يجعله مقصدًا للتجار الصغار وللعائلات التى ترغب فى شراء كميات كبيرة بأسعار المصدر.
وبمجرد دخولك السوق فى موسم رمضان، ستجد شوادر ضخمة على الجانبين، تضم عشرات الأجولة من الخيش التى تحمل أنواع البلح المختلفة.
فى جولة لـ»الأخبار» داخل السوق، وجدنا الشاحنات المصطفة تحكى قصة مشوار طويل، وقابلنا أحد تجار الساحل وقال «البلح ده مسافر مشوار طويل عشان يوصل هنا، البضاعة بتجيلنا من أسيوط، وأسوان، والوادى الجديد، كل نخلة فى الصعيد وليها طعم، والساحل هو اللى بيجمعهم ويقدمهم للقاهرة».
«البلحة دى شافت شمس أسوان وشربت من مية النيل قبل ما تجيلك شبرا»، بهذه الكلمات يستقبلك تجار ساحل روض الفرج، حيث يتحول الحى الهادئ نهارًا إلى خلية نحل لا تنام مع اقتراب الشهر الكريم، هنا لا يباع البلح بالكيلو فحسب، بل تباع معه حكايات الصعيد ورحلة قطعها التجار ليقدموا للزبون تشكيلة تبدأ من السكوتى الشعبى وتصل إلى البرتمودا الفاخر، لتناسب كل الجيوب.
ويعرف سوق الساحل بكونه الأرخص مقارنة بالمحلات الخارجية، وتتراوح الأسعار بدءًا من 30 جنيهًا إلى 200 جنيه، هنا البلح ليس مجرد فاكهة، بل هو بطل المائدة الذى يبدأ رحلته من نخل الجنوب لينتهى فى أكواب «الخشاف».
وفى ساحل شبرا، لا أحد يعود لبيته فارغ اليدين، فالأسعار هناك تناسب الجميع، ويوضح لنا التاجر الذى التقيناه خريطة الأسعار هذا العام، فالبلح الشعبى يتراوح من 30 إلى 50 جنيهًا، ويكون غالبًا من أنواع «السكوتى» أو الأصناف المنتشرة فى أسيوط، والفئة المتوسطة من 60 إلى 120 جنيهًا، وتتميز بلحمية أكثر وحلاوة ظاهرة، أما البلح «اللوكس» فيصل إلى 200 جنيه، وهنا نتحدث عن «البرتمودا» و»القنديلة» والبلح الأسوانى الفاخر، الذى يتم تنقيته بالواحدة، ويمتاز بحجمه الكبير وطعمه السكرى المركز.
ويعتبر سوق الساحل بمنطقة روض الفرج فى شبرا هو «القلب النابض» لتجارة التمور فى مصر، ويلقب بـ «مملكة البلح» أو «ساحل الغلابة»، ولا يقتصر «الساحل» على كونه سوقًا تجاريًا، بل هو طقس رمضانى، حيث الزحام، وصياح البائعين، وفصال الزبائن مع تجار يمتلكون «طولة بال» شبراوية، يجعل من شراء بلح رمضان تجربة لا تعوضها السلاسل التجارية الكبرى.
واختتم التاجر ضاحكًا: «الزبون بيجى الساحل عشان يشم ريحة رمضان قبل ما يجى، ويضمن إن بلحته جاية من قلب الصعيد وليس من الثلاجة».
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







