«جامع السادة الوفائية».. ذاكرة صوفية وعمارة عثمانية على سفح المقطم

جامع السادة الوفائية
جامع السادة الوفائية


في قلب القاهرة القديمة، حيث تتجاور المقامات الصوفية مع شواهد التاريخ، يقف جامع السادة الوفائية بالأباجية شاهدًا على تلاقي الروح والعمارة. ليس مجرد مسجد للصلاة، بل سجلٌّ حيّ لحكاية بدأت بزواية متواضعة، ثم تحولت بفرمان سلطاني إلى جامع عثماني يحمل بصمة عصره، ويحتفظ بأسرار التصوف وملامح الفن المعماري المتقن.

أُنشئ جامع السادة الوفائية بالأباجية بأمر من السلطان العثماني عبد الحميد الأول، عند سفح جبل المقطم، بالقرب من ضريح ابن عطاء الله السكندري وضريح أبي السعود، بدأت أعمال البناء سنة 1191هـ، وانتهت عام 1199هـ/1784م، على موقع زاوية السادات الوفائية التي شهدت عبر تاريخها أعمال إصلاح وتجديد متعاقبة، حتى تقرر هدمها وبناء الجامع مكانها تنفيذًا لفرمان صدر عام 1777م.

وقد تولّى تنفيذ الفرمان الوزير محمد عزت باشا، محافظ مصر آنذاك، ليستغرق تشييد الجامع والمجموعة المعمارية الملحقة به نحو ثماني سنوات، وكانت الزاوية تُعرف قبل ذلك باسم «زاوية السادات أهل الوفاء»، بما يعكس جذورها الصوفية العميقة.

يأتي تخطيط الجامع في صورة صحن أوسط مسقوف تحيط به الأواوين من الجهات المختلفة، مع مقدم ومؤخر ومجنبتين، وتبلغ مساحة المسجد نحو 29×27 مترًا، يتوسطه صحن شبه مربع أبعاده تقارب 15.60×13.8 مترًا، ما يمنح المكان اتساعًا بصريًا وانسيابية في الحركة.

وقد ذكر علي مبارك في «الخطط التوفيقية» حُجّة وقف الجامع التفصيلية وهي مفقودة حاليًا واصفًا واجهته البحرية المبنية بالحجر الأحمر المنحوت، وبابها المقنطر الذي تعلوه لوحة من الرخام الأبيض منقوش عليها أربعة أبيات شعرية، مع جلستين على جانبي المدخل. كما يضم الجامع عددًا من أضرحة أشراف آل السادات الوفائية من كبار المتصوفة.

يتكوّن إيوان القبلة من رواقين يضمّان صفّين من البوائك، تحتوي كل بائكة على خمسة عقود مدببة من نوع حدوة الفرس، ترتكز على أعمدة من الرخام، أما المجنبتان والمؤخر، فيحتوي كل منها على رواق واحد، يرتكز على أعمدة يعلوها أربعة عقود مدببة، بينما يضم الإيوان الغربي المقابل لإيوان القبلة أربعة أعمدة تعلوها خمسة عقود.

 

اقرأ ايضا| «السياحة والآثار»: أعمال ترميم مسجد الأمير عثمان تُنفذ بأطر علمية وقانونية معتمدة

 

وفي قلب الصحن، تتوسط المقصورة الرئيسية الكبيرة التي تضم ضريحَي الشيخ محمد وفا وابنه الشيخ علي وفا، تقوم المقصورة على قاعدة مربعة مرتفعة ومكسوّة بأشرطة رخامية ملوّنة، وتعلوها قبة مزخرفة تضفي على المكان جلالًا وروحانية.

يتميّز محراب الجامع بكونه مجوفًا ومكسوًا بالفسيفساء الرخامية الدقيقة، ويتوجه عقد مدبب تعلوه طاقية زخرفية، ويتقدمه عمودان من المرمر الأبيض، يعلو كل منهما تاج من خشب الجوز، وإلى جوار المحراب يقف منبر خشبي يعكس براعة النجارة التقليدية. أما سقف الجامع فهو من الخشب، مكوّن من براطيم تحصر بينها مساحات غائرة، تزينها زخارف نباتية ملوّنة.

ويضم الجامع ثلاث خلاوي: واحدة للخطيب بجوار المنبر، وأخرى للوقاد ومستلزمات الإضاءة، وثالثة للإمام، في دلالة على التنظيم الوظيفي الدقيق للمكان.

أما المئذنة، فتتكوّن من دورتين فوق قاعدة مربعة؛ الأولى مثمّنة تتوجها شرفة، والثانية أسطوانية تعلوها حليّة على هيئة قبة بصلية يعلوها هلال من النحاس. وتقع المئذنة في الطرف الجنوبي للساحة المكشوفة، وتُعد قصيرة نسبيًا مقارنة باتساع مساحة الجامع.

ويقع الجامع حاليًا بشارع التونسي في منطقة الأباجية بسفح المقطم، بالقرب من ضريح ابن عطاء الله السكندري، ويتبع إداريًا منطقة آثار شرق القاهرة، ليظل واحدًا من المعالم التي تختزل في جدرانها تاريخ القاهرة الروحي والمعماري.