إســـلام عفيفى يكتب: الرئيس.. وحديث الإصلاح

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


لا يكاد يخلو خطابٌ للرئيس عبدالفتاح السيسى من الحديث عن الإصلاح ليس بوصفه شعارًا سياسيًا يستدعى عند الحاجة، بل بوصفه عنوانًا دائمًا لما يمكن تسميته «مشروع دولة» أكثر منه «برنامج حكومة» وتكرار الكلمة هنا ليس تكرارًا لغويًا؛ هو إشارة إلى أن الدولة، فى تصور الرئيس، لا تُدار بردود الأفعال ولا بإدارة الأزمات فقط، بل بتغييرٍ تدريجى فى طريقة عملها من الداخل، وفى طريقة تموضعها بالخارج.

اللافت أن حديث الإصلاح لا يعبر عن «الإجراءات المتفرقة»، بل فكرة «المشروع المتكامل» لأول مرة -بهذا المعنى- تسير مصر نحو إصلاحٍ متعدد المسارات فى وقت واحد: إصلاح اقتصادى يغير قواعد الإنتاج والإنفاق، وإصلاح إدارى يشتبك مع كفاءة الجهاز التنفيذى ومعايير العمل، وإصلاح مؤسسى يضع مسألة بناء الدولة الحديثة فى قلب المعادلة، ثم إصلاح للبنية والقدرات يربط التنمية بفكرة الاستقرار لا بالإنجاز العابر، هذا الاتساع ليس تفصيلًا؛ لأنه يجيب عن سؤال جوهرى: هل الإصلاح مجرد ملفات تُدار منفصلة، أم رؤية واحدة تتقاطع داخلها الملفات وتخدم بعضها البعض؟

ومن هنا يظهر المعنى الأشمل لفكرة «المشروع الإصلاحى» كما يطرحها الرئيس: أن الداخل لا ينفصل عن الخارج، لا معنى لإصلاح داخلى بلا تموضع إقليمى ودولى يحميه، ولا معنى لسياسة خارجية نشطة إذا كانت الدولة من الداخل عاجزة عن تحويل السياسة إلى تنمية وفرص، لذلك نجد فى خطاب الإصلاح عند الرئيس خطوطًا متوازية: العودة إلى إفريقيا بوصفها عمقًا استراتيجيًا، إعادة ضبط العلاقات الدولية على قاعدة التوازن لا الارتهان، والتحرك فى الإقليم بمنطق «الاتزان الاستراتيجى»، الذى يحافظ على المصالح دون الوقوع فى استقطابات تُرهق الدولة أو تُفقدها هامش القرار.

هذا المدخل مهم لأنه يضع الإصلاح فى حجمه الحقيقى: ليس «تحسين خدمات» فقط، وليس «قرارات إدارية» فقط، بل محاولة لبناء دولة تُدار بمعايير جديدة: دولة تُصلح داخلها لكى تملك قرارها خارجها، وتتحرك خارجها لكى تحمى استقرارها الداخلى، ومن هنا يبدأ السؤال الأهم: إذا كان الإصلاح مشروعًا متكاملًا، فما شروط نجاحه؟ وأين تقع نقطة الاختبار الحقيقية بين الخطاب والتنفيذ؟

الإصلاح كلمة سهلة، لكن تطبيقها صعب لأن ثمنها لا يُدفع فى العناوين، بل داخل الدولة نفسها: داخل طريقة اختيار القيادات، داخل شبكات المصالح، داخل ثقافة «عدم المحاسبة»، وداخل جهاز إدارى اعتاد أن ينجو بالزمن لا بالإنجاز، لذلك قيمة حديث الرئيس عن الإصلاح هو فى الطريقة، التى تربطه بالاختيار والكفاءة والنزاهة وتقييم الأداء والمعايير والمحاسبة.

القاعدة الأولى، التى يضعها هذا الحديث هى أن الإصلاح لا يبدأ من الأوراق، بل من البشر «اختيار القيادات» هنا ليس إجراءً إداريًا، هو نقطة البداية التى تُحدد مصير كل شىء بعدها؛ لأن الدولة يمكن أن تملك قوانين ممتازة وخططًا دقيقة وتمويلًا كافيًا، ثم يأتى الخلل فى التنفيذ، لأن القيادة فى الحلقة الوسطى لا تملك الكفاءة أو لا تملك النزاهة أو لا تُحاسَب، الإصلاح الحقيقى يبدأ عندما يصبح منصب القيادات «وظيفة أداء» لا «موقع نفوذ» الفرق بينهما أن وظيفة الأداء تُقاس، أما موقع النفوذ فيحتمى بالشللية وبالوقت وبالتبريرات.

لكن اختيار القيادات وحده لا يصنع إصلاحًا إن لم يتغير منطق الترقى والعقاب، من خلال «نظام الحوافز»: إذا كانت الترقيات لا تتبع إنجازًا قابلًا للقياس، فإن الرسالة التى تصل إلى الجهاز الإدارى بسيطة: لا تتعب، لا تُجازف، لا تُبدع، فقط «امشِ جنب الحيط» وستنجو، النتيجة الطبيعية هى البيروقراطية: ليس لأن الموظفين أشرار، بل لأن القواعد تكافئ السلامة لا الإنتاج، وتعاقب المبادرة لأنها تخلق ملفات ومسئولية عندما يقول الرئيس إن الإصلاح يحتاج معايير ومحاسبة، فهو عمليًا يعلن أن البيروقراطية لن تُهزم بالمواعظ، بل بإعادة تصميم القواعد.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة، التى يتجاهلها كثير من الخطاب العام: الدولة لا تتعطل دائمًا بسبب فساد صريح، بل بسبب ضبابية المسئولية، وهو مرض إدارى مزمن لذلك الإصلاح، بالمعنى العميق، هو اعتماد نموذج «الحكم بالمؤشرات» بمعنى أدق: أن يصبح لكل مؤسسة أهداف محددة، ولكل هدف مؤشرات زمن وجودة وكلفة، ولكل مسئول صلاحيات واضحة، ثم مراجعة دورية تُظهر: مَن أنجز؟ مَن تأخر؟ لماذا؟ وما الإجراء؟ دون هذا التحول ستظل المحاسبة انتقائية -تأتى بعد أزمة أو ضجة- بدل أن تكون جزءًا ثابتًا من تشغيل الدولة.

لكن هنا تظهر معضلة حساسة لا يتحدث عنها أحد بما يكفى: كيف تُقيم الأداء فى دولة ضخمة دون أن تتحول المؤشرات إلى لعبة؟ لأن أى جهاز إدارى عندما يُطلب منه «رقم» سيحاول أحيانًا أن يصنع الرقم وهذا هو خطر «التقييم الشكلى»: أن ترتفع المؤشرات على الورق فقط، والإصلاح الحقيقى لا يحتاج مؤشرات فقط، ثم تأتى «ضخ الدماء الجديدة» هذه النقطة غالبًا تُفهم كأنها مجرد تغيير وجوه، بينما معناها الحقيقى أعمق: تجديد ثقافة الإدارة نفسها، الدماء الجديدة لا تُقاس بالسن، بل بالنموذج: إدخال قيادة تفهم الرقمنة، تفهم إدارة المخاطر، تفهم معنى الشفافية، فمواكبة العصر ليست فى شراء أجهزة أو إطلاق منصات، مواكبة العصر هى أن تتغير دورة القرار: تصبح أسرع، أقل كلفة، أكثر قابلية للتتبع.

كان حديث الرئيس واضحًا فى الاحتفال بأعياد الشرطة أن الإصلاح يحتاج إلى صبر ونفس طويل، وهو أمر مفهوم حتى لا يتم التعامل معه كحملة تطهير تُرعب الجهاز الإدارى، فالدولة تحتاج إلى توازن بين المحاسبة والاستقرار: إذا شعر الموظفون والقيادات بأن أى قرار قد يجرّ عقابًا حتى لو كان حسن النية، ستتجمد الإدارة إذا شعروا ألا أحد يُحاسب، ستنهار الجودة. الإصلاح الحقيقى هو بناء «عدالة إدارية»: تُحاسب التقصير والفساد بوضوح، وتحمى صاحب القرار المهنى عندما يخطئ خطأً إداريًا طبيعيًا داخل حدود الصلاحيات وبأدلة، بدون هذا التوازن لن تتحرك ماكينة الدولة، ستتحول إلى جهاز دفاعى هدفه النجاة.

حديث الإصلاح يربط المنصب بالمعيار، ويربط المعيار بالمحاسبة، ويربط المحاسبة بتحسين الخدمة.

هذه ليست معركة ضد أشخاص، هى معركة ضد «نظام تشغيل» قديم إذا تغير نظام التشغيل -اختيار، معيار، تقييم، محاسبة، شفافية، وصلاحيات- ستتغير الدولة تدريجيًا حتى لو لم يتغير كل شىء دفعة واحدة، وإذا لم يتغير، ستظل كل خطط الإصلاح مجرد طبقة طلاء على ماكينة تعمل بالمنطق القديم نفسه: مَن ينجو هو مَن يتكيف لا مَن يصلح العطب.