لم تكن موجات الحظر العالمى التى لاحقت جماعة الإخوان الإرهابية مؤخراً مجرد «إجراءات أمنية»، بل كانت شهادة وفاة تعلن نهاية عصر التنظيمات الإرهابية العابرة للقارات، وانتصاراً حاسماً لسيادة الدولة الوطنية. وكما يلف الكفن الجثمان، خنقت قرارات الحظر حلم الجماعة الإرهابية فى العبث بجغرافيا المنطقة، ودفنت المشروع الذى استباح الحدود واعتبر العنف جسراً لاختراقها.
وأسدل الستار أخيراً على زمن الأيديولوجيات العنيفة التى تتحدى كيان الدولة الوطنية إلى غير رجعة.
رغم اتساع خارطة دول الحظر، ظل للقرار الأمريكى وقع مختلف داخل نفوسنا نحن المصريين على وجه التحديد، حيث أثار شعوراً بالسعادة والشماتة فى آن واحد، ليس فى إخوان الشيطان وحدهم بل فى الأمريكان أيضاً. إذ بدت واشنطن، بعد عقود من الرهان الخاسر على توظيف الجماعة الإرهابية، وكأنها تكتشف متأخرة حقيقة أن الكيانات المتطرفة التى تُستدعى كأدوات لإنجاز المخططات الخبيثة قد تنقلب، مع الزمن، إلى أخطار وجودية على من صنعها ووفّر لها الإمكانيات والحماية.
بعد قرن من زرع التطرف وإرث ثقيل من الفشل السياسى والادعاء الدينى، بات مشروع الإخوان تحت حصار عالمى، والمستقبل يلوح رمادياً للتنظيم الإرهابى بشكله التاريخى المركزى.
ولكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هل تعنى قرارات الحظر والملاحقة للهيكل التنظيمى موت الفكرة جذرياً، أم أن بذور هذه الأيديولوجيا المتطرفة ستظل كامنة فى تربة الأزمات، لتعود إلى المشهد من جديد؟
لا ينبغى أن توهمنا قرارات الحظر الدولية ضد الجماعة الإرهابية بزوال خطرها، أو تمنحنا ترف التراخى فى مواجهتها محلياً. بل على العكس، فإنها تحذرنا من مرحلة أكثر خطورة، وهى مرحلة «الكمون الاستراتيجى».
تُعلمنا دروس التاريخ أن هذه الجماعة، كلما تعرضت لضربات قاصمة، تنسحب إلى ظلال الصمت كالعقرب إلى جحره، لتبدأ فى إعادة صياغة خطتها، وتطويع أدواتها، واختراع أساليب اختراق جديدة تتواءم مع المناخ المتغير. فهى لا تتخلى أبداً عن سعيها لبث سموم أفكارها، وصيد وتجنيد الأرواح الضعيفة فى فخاخ متجددة.
الحظر ليس نهاية المطاف، بل الخطر الآن يكمن فى تسلل الإرهابية بصمت عبر شرايين المجتمع إلى قاعات الدرس، ونوادى الشباب، وفى العالم الافتراضى. فهل نظل مستعدين لملاحقة الوحش وهو يغيّر جلده؟

د.هاني أبو العلا يكتب: مشروع قومي لتدويل التعليم العالي المصري: نحو ترسيخ الريادة الإقليمية
اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم





