غريغورى راباسا
تتبدل الأماكن المألوفة وتتغير، لكنّ القول الإيطالى المأثور إنّ الترجمة فعل خيانة، والقائم على التلاعب بالألفاظ بين كلمتى مترجم وخائن (traduttore, traditore)، تبقى على حالها مع مرور السنين دون تغيير، جاثمة على صدور المترجمين، كفزاعة تثير ذعرهم وإحباطهم، مما يدفع للاعتقاد بأن المترجم وغد خدّاع، أخبث من أبأس الأغبياء قبل تقديم البيّنة والإقرار بالتهمة، دعونى أتقصى مكامن هذه الخيانة وبحق من تُرتكب يمكن لنا بعدها نحن المترجمون الانسحاب إلى عالم النسيان مجدداً، المليء بالخدم الصامتين، كما لو أنّ دورنا قد انتهى، حسب قول الأمير سيغيسموندو فى نهاية مسرحية كالديرون «الحياة حلم» بعد إهداء البرج الذى سُجن فيه إلى الشخص الذى حرره: «الخيانة وقعت، لا حاجة للخائن بعد الآن».
لنُخضع عملية الترجمة لتحقيق قضائى ونضع طرق الترجمة ووسائلها المتعددة فى عين المجهر، ونحاول من خلال هذه العملية تقصى مختلف أشكال الخيانة التى قد تلتصق بفن الترجمة.
أتقصد استخدام كلمة فن وليس حرفة لأنه يمكن تعليم الحرفة ولكن لا يمكن تعليم الفن يمكنك تعليم بيكاسو كيف يمزج ألوانه لكنك لا تستطيع تعليمه كيف يرسم آنسات أفينيون.
ثمّة الكثير من النقاط التى يمكن من خلالها إلصاق تهمة الخيانة بالترجمة، ولا مناص من تشابك هذه النقاط بشتّى الطرق، مما يستوجب مراجعة عامة لكشف النقاب عن أوجه الخيانة العديدة التى يزعمها القول الإيطالى المأثور.
من أهم أوجه هذه الخيانة خيانة الكلمة، لأن الكلمة هى الجوهر الحقيقى للغة، مجاز كل ما نراه ونحسه ونتخيله وفى هذا الإطار لدينا أيضاً خيانة اللغة، اللغة المترجم منها واللغة المترجم إليها (أحاول تجنب مصطلح «اللغة الهدف»؛ فبحكم أننى من قدماء المحاربين، وأثناء خدمتى كجندى مشاة فقد تعلمت إطلاق النار على الهدف وإرداءه قتيلاً، إن حالفنا الحظ) اللغات هى حصيلة الثقافة، أو العكس صحيح بحسب بعض علماء الأنثروبولوجيا الجريئين خيانة الثقافة تصبح تلقائية لأننا نخون كلماتها وكلامها، إلى جانب عناصر هامشية أخرى عديدة خلال مجمل عملية الترجمة.
ثم نأتى إلى الخيانة الشخصية، خيانة الأشخاص المنخرطين فى عملية (جرم) الترجمة الضحية الأولى هى بالطبع المؤلف الذى نترجم عمله. هل يمكننا يوماً إعداد نسخة مختلفة الألوان مما كتبه (كتبه/كتبته كما يرد فى وثائق الأمم المتحدة)؟ هل يمكننا استحضار ما شعر به المؤلف لحظة كتابة الكلمات التى نترجمها؟ إذ إننا كمؤلفين نخون تلقائياً جمهور القرّاء المتنوع ونمرر فى الوقت نفسه مقداراً ما من الخيانة التى قد يكون المؤلف اقترفها بحقهم فى العمل الأصلى (ما لم نهملها فى صباح صقيعى تماماً كما أهملنا الشعر).
أخيراً والأدهى أننا نخون أنفسنا نضحى بأجود فطرة لدينا من أجل تقليدٍ ممل خوفاً من خيانة المهمة الموكلة إلينا. التوارى المحتّم على المترجم، التوارى الذى غالباً ما يعتبر مثالياً، لا يعنى فى نهاية المطاف سوى حبسه فى برج سيغيسموندو لا بدّ أن هذه الخيانة الأخيرة تتفوق على جميع الخيانات الموصوفة هنا وتعتبر أشنعها.
الكلمات غدّارة، غدرها يفوق بأشواط خيانة أى مترجم. من البديهى والواضح أن الكلمات مجرّد مجازات واستعارات للأشياء يظهر هذا جلياً فى الحلقة اللاذعة من الجزء الثالث من «رحلات غَلِفر» حين يصل الرحالة إلى مدينة لاغادو ويزور الأكاديمية الكبرى.
يستعين كبير الكهنة سويفت هنا بالمخترعين لشرح خطة إنقاذ رئاتنا من خلال التخلص من الكلمات فى التواصل الشفهي، «نظراً إلى أن الكلمات هى مجرد أسماء للأشياء، سيكون الحل الأنسب هو أن يحمل كل الناس معهم الأشياء الضرورية للتعبير عن الموضوع الذى يتحدثون بشأنه» إلى جانب إطالة أعمار البشر، يقلّص هذا الحل أيضاً الحاجة إلى جميع اللغات الحيّة حول العالم.
بل قد ننجح بإعادة إعمار برج بابل ومن المرجح أن سويفت كان يلمّح إلى الفوارق الطبقية هنا، فالرجل الميسور الذى يمكنه الاستعانة بخدم لحمل أشيائه يصبح أفصح من رجل فقير يمكن حمل كل أشيائه فى كيس بسيط فى العالم الواقعي، يمكن للثرى الجامعى التعبير عن نفسه ببلاغة ووضوح أكثر بكثير من رجل فقير أمي.
الأمر يتعدّى ذلك، إن كانت الكلمة هى مجاز شيء ما، لماذا هناك إذاً عدة مجازات لكلمة واحدة تدور جميعها فى فلكها؟ نحن هنا مباشرة أمام عاقبة بابل الوخيمة لو أُتيح المجال أمام ماما لوسى لتتكلم، لانتشرت لغتها المنقرضة وصار لها اشتقاقات عديدة تفوق عدد النغمات التى نسمعها فى جوقة زقزقة عصافير من نوع واحد.
يتركنا هذا فى خضم كلمات متخبطة تدل على شيء واحد. لا يمكن للحجارة أن تُسمّى حصى، هل تتطابق الكلمتان لمجرّد أنهما تدلان على الشيء نفسه؟ بما أن فلوبير قد يقول كلمة حصى أو يفكر بها عندما يلتقط إحداها، هل كلمة حجارة تعبّر عن فكرته عندما نترجمه؟ كل ما بوسعنا قوله أن الترجمة هنا خانت المعنى التام والواضح لماهية الحصى فى ذهن المؤلف، من دون محاولة فى هذا المثال الحجرى لاستحضار المعانى الملازمة لبطرس والبابوية سيترك ذلك النقاش حول لغة لاغادو لحماقات بوفار وبيكوشيه، سنترك لهما أيضاً تحليل أسباب رؤية الصائغ للألماس على أنه حجر، فيما سارق المجوهرات يراه صخرة.
لم تُقترف الخيانة هنا فقط بحق الشيء المسمّى وإنما بحق الكلمة نفسها أيضاً أثناء مسيرة تقدمها (تطورها؟)، تعمل اللغة على تحميل الكلمة مختلف أنماط العوالق الثقافية، حارفةً إياها نحو مسارٍ مختلف عن الكلمة فى لغة أخرى تصف الشيء نفسه ثمّة فى اللغات كمٌ هائل من المصطلحات المستخدمة للدلالة على الشيء نفسه، ومن خلال هذا التنوع بالذات، تستجدى المصطلحات أى احتمال لاكتشاف وتأكيد الحقيقة الفريدة للشيء المذكور.
قد يكون هذا خبراً مفرحاً للمعتقد السائد حالياً حول اللامحدودية، غير أن الإنسان العاقل يهوى المعرفة، تماماً كما يوحى اسمه، وهذا ما جعلنا ما نحن عليه اليوم وما سنكون عليه فى الغد إن اكتسبنا المعرفة اللازمة.
قد يكون هناك فى عالم الألفاظ شيء مشابه لمبدأ هايزنبرغ المتعلق باللايقين، أى أننا فى كل مرة نسمّى الحجر الصغير حصاة نكون قد صيّرناه شيئاً مختلفاً عن الحجر أو الكأس يضعنا هذا أمام سؤال عن إمكانية أن تكون الحصاة حجراً صغيراً أو أن يكون الحجر الصغير حصاة، وإن كان أياً منهما ذلك الشيء الصلب الذى ننظر إليه على الأرض، ليعلّمنا أنه حتى لو جرى استنساخ شيء ما فإن الكلمة التى تميزه لا يمكن استنساخها وأى محاولة لإعادة إنتاجها فى لغة أخرى تعتبر فعل خيانة.
تبدو بعض المفاهيم خصائص حصرية للغة ما ولا يمكن خلقها على نحوٍ صحيح فى لغة أخرى عندما نواجه معضلة اجتراح كلمة صحيحة فى الإنجليزية نلجأ إلى الفرنسية ونقول «a certain je ne sais quoi –لا أعرف على وجه الدقة». إن قلنا معادلها فى الإنجليزية «a certain I don›t know what» يبدو التأثير نافراً ومصطنعاً عندما نستعير من لغة أخرى لإثراء لغتنا، يحدث فعل الخيانة غالباً فى أول خطوة فى هذه العملية، إن لم تكن خيانة للمعنى فهى حتماً خيانة لوقع الكلمة على الرغم من سهولة إعادة إنتاج وقع الكلمة الفرنسية «لانجرى lingerie» بالإنجليزية وإمكانية الاقتراب جداً من إحداث الوقع ذاته، إلا أن معظم الناس سيبالغون بفرنستها وسيقولون «لاونجري»، صوت يستحق صرخة دبليو سى فيلدز المتهكمة وهو يقول «حاسنون».
خيانة اللغة فى كثير من المرات هى خيانة للكلمات وفى الوقت نفسه انعكاس للعوائق الناشئة عند التواصل بين الثقافات. نميل إلى استيعاب الأذواق والأحاسيس والمنعكسات الأجنبية ودمجها فى بيئتنا بعد إحداث التغييرات اللازمة.
اسأل شخصاً من نيويورك كيف وجد غريغور سامسا نفسه عندما استيقظ وسيكون الجواب الحتمى وجد نفسه صرصوراً عملاقاً، لأن الصرصور أشهر حشرة فى مدينته كافكا ببساطة أسمى الهيئة التى استيقظ عليها سامسا حشرة ضخمة «ungeheuern Ungeziefer»، ثم أسهب فى وصف ما يبدو بوضوح خنفساء ذات درع صلب تأثير الواقع المحلى قوى للغاية بالنسبة لشخص من نيويورك مما يحول بينه وبين صياغة مفهوم أقرب أو ترجمة أدق. يمكن اعتبار هذا بوصفه خيانة ناجمة عن ثقل تفرضه ثقافة أخرى.
تلتحم كل هذه المسائل لتشكّل خيانة غير مباشرة للمؤلف إنها خلاصة كل هذه العوامل: اللغة، الثقافة، وكلمات الأفراد هذه العوامل فى الواقع متراصة ولا يمكن فصلها، والمؤلف هو منتجها، ينطبق الأمر ذاته على ما يكتبه لا تتعدى حريته وأصالته تخوم ثقافته إن كان سيخون ثقافته، فهو يخونها من الداخل، من معرفة عميقة ببواطنها، بينما المترجم يخون الثقافة من الخارج، من وعى مكتَسب تأملى غير انعكاسي.
بوسع المؤلف، فى نطاق الحدود الثقافية، كفرد، ويتعين عليه، فى الواقع، شرح نفسه قدر الإمكان كى يتسنى له تمييز نفسه وفنه عن الأماكن المألوفة، مبيناً طوال الرحلة المكان الذى جاء منه، وما من سبيل لفعل هذا سوى باستخدام اللغة.
الحالة عكسية تماماً بالنسبة إلى المترجم ليس بوسع المترجم، ولا يتعين عليه، التمييز بينه وبين الثقافة المطروحة أمامه. إن حدث هذا فستكون الترجمة بحق فعل خيانة. عليه تنظيم كلماته بطريقة لا تناقض قصد المؤلف.
لا توجد إشكالية فى الترجمة تفوق هذه الإشكالية، إذ إننا نحاول ترجمة شيء إلى لغتنا وثقافتنا عمد المؤلف سابقاً إلى ترجمته إلى كلمات فى ثقافته وصياغتها لتبدو كلماتنا نحن يا لها من خيانة.
المهم هنا هو تحديد مستوى الخيانة هل هى خيانة عظمى أم صغرى، خطيئة بشرية أم عرضية. ثمّة أشخاص، على غرار نوبوكوف، ينظرون إلى الترجمة بوصفها جرماً يقتصر نطاق الحكم عليه فيما إذا كان جناية أم مجرّد جنحة، وهناك الكثير من النقاد الذين يختالون فى مشيتهم بينما الشرطة تسوقهم أمام العامة بعد إدانتهم.
وفى موازاة كل ما يجري، والمسائل التى يتعين على المترجم أن يعيها بالكامل، يبرز خطر ارتكاب المترجم لأتعس خيانة على الإطلاق، خيانة نفسه المترجم، وينبغى أن نعرف هذا تماماً، هو كاتب أيضاً. فى الحقيقة، يمكن تسميته الكاتب المثالى لأن كل ما عليه فعله هو الكتابة؛ فالحبكة والموضوع والشخصيات وكل العناصر الأساسية الأخرى موجودة سلفاً، لهذا عليه فقط الجلوس والكتابة. غير أنه قارئ أيضاً ينبغى عليه قراءة النص بدقة لمعرفة ما يدور.
فى هذه الحالة يتلقى إرشادات وتعليمات أقل من النص هناك فكرة شائعة مفادها أنه لو كان لكتاب ما 10,000 قارئ، فإنه يصبح 10,000 كتاباً مختلفاً. المترجم ما هو إلا واحد من هؤلاء القرّاء، وعلى الرغم من ذلك، عليه قراءة الكتاب بطريقة تسمح له بالقراءة بالإسبانية والإنجليزية فى الوقت ذاته طيلة رحلة قراءة الكتاب، والنتيجة أن قراءته للكتاب هى أيضاً كتابة له تصبح قراءته إذاً القراءة التى ستنتج 10,000 نسخة مختلفة من الكتاب فى حال حدث وبيعت كل النسخ، ونادراً ما تباع كل النسخ، ويقرؤها كل هذا العدد من الناس.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







