يعتبر الجرانيت لغزًا محيرًا في تاريخ العمارة المصرية القديمة، إذ يُعد من أصلب الأحجار الطبيعية التي استخدمها الإنسان في تشييد الآثار. ومع ذلك، نجح المصريون القدماء في تطويعه بدقة مدهشة لبناء المسلات والتماثيل العملاقة وغرف الدفن الملكية.
واليوم، تكشف دراسة علمية حديثة عن فرضية غير تقليدية قد تعيد رسم ملامح فهمنا لأساليب العمل على هذا الحجر شديد الصلابة.
◄ تقنيات تعتمد على الحرارة والمعالجة الكيميائية
كشفت دراسة علمية حديثة عن طرح جديد يفسر الكيفية التي تعامل بها المصريون القدماء مع الجرانيت، ذلك الحجر الذي تصل صلابته إلى مستوى قريب من صلابة الكوارتز، ويُعد من أصعب المواد في النحت والتشكيل.

وقد استُخدم الجرانيت في أبرز معالم الحضارة المصرية، من بينها حجرة الملك في هرم خوفو، والمسلات الضخمة، والتماثيل العملاقة للملك رمسيس الثاني.
الدراسة، التي أعدها الباحث الصيني المستقل شيانغ يي ونُشرت في دورية «هيريتج ساينس»، جمعت بين الرصد الأثري الميداني والتجارب المعملية الحديثة، لتقترح أن المصريين القدماء ربما استخدموا تقنيات تعتمد على الحرارة والمعالجة الكيميائية البسيطة، بدلاً من الاعتماد الكامل على الأساليب الميكانيكية التقليدية مثل الطرق والصقل المستمر.

واعتمد الباحث في فرضيته على ملاحظات دقيقة من محاجر الجرانيت القديمة في أسوان، حيث توجد المسلة غير المكتملة المنسوبة إلى الملكة حتشبسوت، وقد لفتت انتباهه التجاويف الدائرية والحواف المنحنية الناعمة على أسطح الجرانيت، وهي سمات يصعب تفسيرها باستخدام أدوات النحت الحجرية المعروفة في ذلك العصر.
◄ معالجة سطح الجرانيت
كما رُصدت فتحات رأسية عميقة تحيط بالمسلة، يُرجّح أنها كانت تستخدم كنقاط ضبط هندسية لتحديد الأبعاد بدقة عالية، ما يعكس مستوى متقدمًا من التخطيط الهندسي.

وتنطلق الدراسة من حقيقة أن الجرانيت يتكوّن من مجموعة معادن مختلفة، يتفاعل بعضها مع الحرارة والمواد القلوية. ومن هذا المنطلق، اختبر الباحث فرضية استخدام كربونات الصوديوم، المعروفة تاريخيًا في مصر القديمة باسم «النطرون»، بعد صهرها حراريًا لمعالجة سطح الجرانيت.
◄ مركبات زجاجية قابلة للذوبان
وأظهرت التجارب المعملية أن تعريض الجرانيت لدرجات حرارة مرتفعة ثم ملامسته لكربونات الصوديوم المنصهرة يؤدي إلى حدوث تشققات داخلية تُضعف البنية الصلبة للحجر، ما يجعله أكثر قابلية للتفتيت والتشكيل بضربات خفيفة نسبيًا، دون الحاجة إلى مجهود ميكانيكي كبير.
اقرأ ايضا| تماثيل الأسرى الراكعين.. هكذا عبّر المصري القديم عن القوة والهيمنة

وخلال التجارب، أدى صب النطرون المنصهر على عينات الجرانيت إلى ظهور شقوق دقيقة، وبعد التبريد أمكن تفتيتها باستخدام أدوات بسيطة، كما أظهرت التفاعلات الكيميائية تحوّل بعض مكونات الجرانيت إلى مركبات زجاجية قابلة للذوبان، وهو ما قد يفسر بعض الظواهر السطحية الغامضة التي لاحظها الباحثون في المحاجر القديمة.
◄ براعة سبقت عصرها بقرون
وتعزز هذه الفرضية إشارات تاريخية وفنية، من بينها نصوص مصرية قديمة تشير إلى استخدام النطرون والنار والزيوت في أعمال المحاجر، إلى جانب مناظر مصورة في مقبرة الوزير «رخمي رع» بالأقصر، تُظهر عمالًا يسخنون مادة سائلة ذات لون أحمر ثم يصبونها على كتل حجرية، وهو مشهد ظل تفسيره العلمي محل جدل طويل.
ولا تزعم الدراسة تقديم إجابة نهائية، لكنها تفتح بابًا علميًا جديدًا لفهم تقنيات العمل بالحجر في مصر القديمة، وتؤكد أن براعة المصريين لم تعتمد على القوة البدنية وحدها، بل ربما استندت إلى معرفة متقدمة بخصائص المواد والتفاعلات الكيميائية والحرارية، سبقت عصرها بقرون طويلة.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







