يوميات الأخبار

الدفاع عن الحقيقة

د. زاهى حواس
د. زاهى حواس


كان هناك اعتقاد شائع بأن الأقزام يجلبون الحظ السعيد، وأن أجسامهم الصغيرة هى هبة خاصة من الآلهة، مما منحهم مكانة متميزة فى المجتمع المصرى القديم.
 

الكمين

هذا هو الوصف الذى أطلقه الدكتور وسيم السيسى على المناظرة العلمية التى عُقدت فى قصر الأمير طاز. أما حكاية «الكمين»، فبدأت حينما عُرضت عليّ، من قِبل اللجنة العلمية لمؤسسة زاهى حواس للتراث والآثار، أسماء العلماء الذين سيُلقون محاضرات عامة فى شتى الموضوعات التاريخية والأثرية. وكان من بين المقترحات أيضًا عقد مناظرة بين الدكتور وسيم السيسى وعدد من علماء المصريات. وقد أبديتُ عدم ممانعتي، على أن تأتى الموافقة أولًا من جميع الأطراف.

وبالفعل، جاءنى مدير المؤسسة، السيد على أبو دشيش، ليخبرنى بأنه تواصل هاتفيًا مع الدكتور وسيم السيسي، الذى وافق على المناظرة. وبعد ذلك تم اختيار الدكتور ممدوح الدماطي، أستاذ الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة بجامعة عين شمس ووزير الآثار الأسبق، وكذلك الدكتور محمد حسن، المتخصص فى الآثار المصرية، وتم الاتفاق على أن يدير الندوة الكاتب المتميز إيهاب الحضري. لاحقًا، تلقيت اتصالًا من الكاتبة إلهام أبو الفتح تطلب فيه إذاعة الندوة على الهواء.

وقد أعلنت منذ البداية أننى لن أحضر المناظرة، إلا أن الدكتور ممدوح الدماطى طلب حضورى الندوة. كما أكدتُ على الجميع ضرورة إبداء الاحترام الكامل للدكتور وسيم السيسي. ومع بداية الندوة، طلب منى حمدى رزق أن أجلس على المنصة، وبالفعل توجهتُ إليها وجلست بجواره. وخلال الندوة، أكدنا عدم وجود وادٍ آخر للملوك، وأن الأهرامات لم تُبنَ لتوليد الكهرباء، وأن المومياوات لا يوجد فى حناجرها أى شيء، كما لا توجد بردية تتحدث عن كائنات فضائية محفوظة فى الفاتيكان. أما من يقول إن علينا ألا نُقيّد الآراء، فأرد عليه: لا، وألف لا. فحين يتعلق الأمر بالحقيقة، لا بد من إبرازها والدفاع عنها، فأين هو الكمين؟

مكانة أصحاب الهمم عند الفراعنة

أتمنى من وزير التربية والتعليم، أن تُعاد كتابة تاريخ مصر القديم فى المناهج الدراسية، وأن تُشكَّل لجنة من العلماء القادرين على إبراز القيم، التى كانت راسخة فى عقول أجدادنا العظماء، وقد وجدتُ أن من أهم هذه القيم احترام وتقدير أصحاب الهمم. ففى مصر القديمة لم يكن هناك عقاب مجتمعى لمن وُلد أعمى، إذ أدرك المصريون منذ أقدم عصورهم أن فقدان حاسة ما، يؤدى إلى تنامى حواس أخرى وقدرات بديلة. ففاقدو البصر كانوا يتمتعون بقدرات هائلة ما لاحظ المصريون أن كثيرًا منهم يمتلكون أصواتًا عذبة وقدرة عالية على تذوق الموسيقى. ولا عجب أن نرى أن معظم المغنين فى مصر القديمة كانوا من فاقدى البصر، وقد حظى هؤلاء بمكانة اجتماعية كبيرة، وخلّدهم الفن المصرى فى مناظر الحياة اليومية على جدران المقابر وهم ينشدون، ولدينا أدلة واضحة على أن كل من وُلد من أصحاب الهمم كان المجتمع يقبله ويدمجه ويوظفه، بما يتلاءم مع قدراته وظروفه الخاصة.

فى مصر القديمة أيضًا تمتع الأشخاص ذوو القامة القصيرة (الأقزام) بمكانة اجتماعية مرموقة ومحترمة، على عكس ما كان سائدًا فى كثير من الحضارات الأخرى. فقد اعتبرهم المصريون القدماء ذوى طبيعة إلهية، وارتبطوا بعدد من الآلهة، وعلى رأسها: الإله بس والإله بتاح.

وشغل الأقزام مناصب مهمة فى البلاط الملكى وداخل العائلة الملكية، وكانوا من أمهر الصاغة وصنّاع الحُلى لدقة أناملهم وبراعتهم فى صناعة المجوهرات. كما عملوا مربّين للأطفال الملكيين، وحراسًا للمجوهرات الملكية، وشاركوا فى مجالات الترفيه والرقص، وامتهنوا العديد من الحرف اليدوية.

وتُظهر النقوش والتماثيل «الأقزام» فى أوضاع محترمة، حتى إن بعضهم تزوجوا من نبيلات وبنات ملوك، وظهروا فى النقوش القديمة بألقاب شريفة. وكان هناك اعتقاد شائع بأن الأقزام يجلبون الحظ السعيد، وأن أجسامهم الصغيرة هى هبة خاصة من الآلهة، مما منحهم مكانة متميزة فى المجتمع المصرى القديم.

Bridge

وصلتنى دعوة من الشيخ عبد الله بن محمد بن بطى آل حامد، وزير الإعلام فى دولة الإمارات العربية المتحدة، لإلقاء محاضرة فى المؤتمر الإعلامى الثقافى الذى حمل عنوان «Bridge» ويهدف هذا المؤتمر إلى التأكيد على أن العالم كله يمكن أن يلتقى ويتواصل، من خلال التفاهم والحوار البنّاء.

وقد تمت دعوة مندوبين من 160 دولة، وحضر المؤتمر نحو 60 ألف شخص. ورغم هذا العدد الضخم، جاء التخطيط والإعداد على أعلى مستوى، ولم ألحظ خطأً واحدًا يمكن توجيهه إلى منظمى المؤتمر. فقد استطاع الشيخ عبد الله أن يختار فريقًا رائعًا أشرف على التنظيم، فجاء المؤتمر فى صورة مشرفة وعلى مستوى رفيع للغاية. حضرتُ حفل الافتتاح وجلستُ فى الصف الأول، لأجد بجانبى الفنانة الكبيرة يسرا.

كما تمت دعوة عدد كبير من المصريين للمشاركة فى المؤتمر، حيث التقيت بخالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والكاتب عمرو الليثي، والمخرج رامى إمام، والعديد من الإعلاميين والشخصيات العامة. بعد ذلك بدأ العرض الافتتاحى البسيط والرائع فى آنٍ واحد، حيث حظيت كل فقرة بتصفيق حار من الجمهور. وكان هناك لقاء لطيف خلال الافتتاح مع الممثل الأمريكى إدريس إلبا، تحدث فيه عن قوة المحتوى ودور الإعلام فى ربط الثقافات، واصفًا نفسه بأنه جسر بين القصص المكتوبة والواقع من خلال أدواره التمثيلية.

كما حضرت النجمة العالمية الهندية بريانكا شوبرا، إلى جانب عدد كبير من نجوم الفن والثقافة من مختلف دول العالم. وقد أعُجبت كثيرًا بالكلمة الرائعة التى ألقاها جمال الكعبي، نائب الوزير، والذى رحّب بى بلغة رفيعة ولهجة بديعة. أما الشيخ عبد الله، فقد بدا كقائد أوركسترا بارع؛ لا يعزف بنفسه، بل يقدّم النجوم الذين أبدعوا فى افتتاح هذا المؤتمر، فكان حضورهم هو اللحن وكانت محاضرتى هى الأولى ضمن فعاليات المؤتمر، وحضرها عدد كبير من الفنانين، إلى جانب العديد من المحاضرين من الدول المشاركة. وقد كان للفراعنة حضور مميز فى مؤتمر Bridge، هذا الحدث الأول من نوعه على مستوى العالم.

مصر والسلام

لا بد من الإشادة بالدور الذى يقوم به الرئيس عبدالفتاح السيسى فى دعم مسيرة السلام، لا سيما على الساحة الدولية وفى العالم الغربي. فقد كان موقف مصر واضحًا وحاسمًا فى السعى إلى إنهاء الاحتلال ورفض مخططات التهجير القسري، والوقوف بقوة إلى جانب الحلول العادلة.

كما أُشيد بالدور البارز الذى قامت به وزارة الخارجية المصرية فى كسب تأييد العديد من الدول فى أوروبا وآسيا، والتى وقفت إلى جانب مصر، حتى رضخت الحكومة الأمريكية للمطالب الدولية، وجاء الرئيس الأمريكى لعقد هذا الاتفاق فى شرم الشيخ. ولا يمكن إغفال المواقف المصرية الثابتة تجاه قضايا المنطقة، وعلى رأسها: السودان وليبيا، فضلًا عن القضية الفلسطينية التى دعمتها مصر بكل السبل، سواء عبر الجهود الدبلوماسية أو من خلال المساعدات الإنسانية التى كانت تُرسل باستمرار إلى الشعب الفلسطينى فى غزة.

وقد نجحت الدبلوماسية المصرية، مدعومة بموقف القيادة السياسية، فى عزل الاحتلال وكشف ممارساته أمام الرأى العام العالمي، وما يرتكبه من جرائم بحق الأطفال والمدنيين.

حتى إن كثيرًا من اليهود المقيمين فى الولايات المتحدة، ممن خدموا سابقًا فى جيش الاحتلال، عبّروا عن رفضهم لما يحدث. وستظل الجرائم المُرتكبة فى غزة وصمة عار فى جبين من ارتكبها، فدماء الفلسطينيين ما زالت تسيل فى شوارع القطاع. ومن النقاط المهمة أيضًا انتهاء القطيعة التى كانت قائمة بين مصر وتركيا، وعودة العلاقات بقوة عقب الزيارة الرئاسية التاريخية، وكذلك تحسن العلاقات مع دولة قطر، وهو ما يعكس سياسة مصر المنفتحة والمتزنة.

لهذا يجب أن نرفع التحية للسياسة الرشيدة التى تنتهجها مصر، والتى استطاعت من خلالها تحقيق العديد من المكاسب، من بينها تشجيع الدول على الاستثمار، وهو ما يؤكد مكانة بلادنا القوية ودورها المؤثر على المستويين الإقليمى والدولي. لقد جاء كل ذلك نتيجة لسياسة واعية جعلت من مصر دولة عظيمة ذات ثقل واحترام بين الأمم.