تعلمنا فى كلية الإعلام - جامعة القاهرة - أن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، وأن جوهرها الحقيقى هو الإنسان لا اللقطة، والقيمة لا التريند، والوعى لا المشاهدات. تعلمنا أن الصحفى هو عين المجتمع التى لا تنام، وحائط الصد ضد الفوضى الفكرية والأخلاقية. كالجراح الذى ينظف الجرح بدلًا من مشاهدته،
لكن المشهد الإعلامى اليوم يطرح سؤالًا صادمًا: متى تحولت لحظات الموت إلى محتوى؟ ومتى أصبح الحزن الإنسانى مادة تُنتج من أجل اللايكات؟
ما يُعرف بـ«صحافة الجنازات» لم يعد استثناءً، بل صار نمطًا متكررًا، تُلاحق فيه الكاميرات أصحاب المصاب فى لحظات الانكسار، وتُصاد الدموع، وتُختزل المأساة الإنسانية فى صورة قريبة ولقطة مؤثرة وعنوان مثير. تحولت الجنازات إلى مسرح مفتوح، يُعاد فيه تدوير الألم ليُستهلك رقميًا، وكأن الفقد مشروع محتوى، والحزن مادة قابلة للاتجار.
هل من المهنية أن تُبنى شهرة صحفية على تتبع الجنازات؟
أصحاب المصاب بشر مثلنا، لهم الحق فى الصمت و الانسحاب والوجع، فى الانهيار بعيدًا عن عدسات متربصة وميكروفونات تقتحم ضعفهم. وحرمة الحزن لا تقل قدسية عن حرمة الحياة.
لقد تحولت هذه الممارسة إلى وهجٍ زائف، يلمع سريعًا كالألعاب النارية، يخطف العين لحظة، لكنه لا يصنع وعيًا، ولا يبنى قيمة، ولا يحترم عقل المتلقى، بل يُفرغ الصحافة من معناها الحقيقى.
إن «صحافة الجنازات» ليست رسالة محترمة إنما
هى انحدار أخلاقى، قبل أن تكون انحدارًا مهنيًا، وإهانة للصحفى، وإهانة للقارئ، وانتهاكًا صريحًا لكرامة الإنسان.
ما حدث فى جنازة والدة المغنى رضا البحراوى من منع الصحفيين من الدخول وتخصيص مساحة فى الشارع لهم يعد إهانة صارخة للمهنة.
فالصحافة وُجدت لتُعلى قيمة الإنسان، لا لتتاجر بدموعه، وُجدت لتصنع وعيًا، لا لتجمع لايكات، وُجدت لتكون رسالة، لا كاميرا متربصة بالحزن.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







