وراء الحجر «سردية حضارة فى جدران معاصرة»

الكتاب « وراء الحجر .. سردية حضارة فى جدران معاصرة» للمعمارى سالم حسين
الكتاب « وراء الحجر .. سردية حضارة فى جدران معاصرة» للمعمارى سالم حسين


طارق الطاهر

المتحف يثبت أن التاريخ لا يُفهم بالصدمة بل بالتراكم الواعى.. وعمارته تقول الكثير.. دون أن ترفع صوتها

استطعنا أن نقدم للعالم ولأنفسنا من خلال مقتنيات هذا المتحف «هويتنا» الحقيقية
العمل انتصار لـ «الهوية» عبر لغة معمارية هادئة .. معاصرة .. وغير منقطعة عن جذورها

 الكتاب يضعنا مباشرة حول المعنى الكامن وراء إصرار الدولة على إنجاز هذا المشروع
ما الذى يعنيه هذا المتحف فى لحظة تتغير فيها أدوات المعرفة وطريقة النظر للماضى؟

 

هذا الكتاب « وراء الحجر .. سردية حضارة فى جدران معاصرة» للمعمارى سالم حسين، يتعدى كونه حديثا عن المتحف الكبير، ليصل إلى أن يكون «ضمير» هذا المتحف، هذا المعمارى وفريق بحثه، استطاعوا بعلمهم وجهدهم وحبهم لهذا الوطن، أن يتجاوزوا الدلالات المباشرة والاكتفاء بتعريف المقتنيات وطبيعتها، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فقدموا صفحات انطلقوا منها من سؤال عميق وهو: ما الذى يعنيه هذا المتحف حقا؟ وما الذى يمثله فى لحظة تتغير فيها أدوات المعرفة وطريقة النظر للماضى؟ من هذه الزاوية التى تبعها بالتأكيد زاويا أخرى، ولد هذا الكتاب، الذى يعد هدية «أخبار اليوم» لزوار معرض القاهرة الدولى للكتاب.

منذ البداية يبين المؤلف عبء المهمة الملقاة عليه فى هذا الكتاب، فيخاطب قارئه: «دعنى أقل لك أن المتحف المصرى الكبير، ليس موضوعا سهلا يتلخص فى مبنى ضخم، أو فى عدد قاعات، أو حتى فى قائمة كنوز تعرض لأول مرة. لأنه –من اللحظة التى ظهر فيها على الساحة- أصبح حاضرا فى الوعى الجمعى كفكرة ووعد ومشهد متخيل».

هذا الوعد وهذه الفكرة، جاءت القيادة السياسية الحالية لتخرجها إلى النور، متحدية صعوبات كبيرة، إدراكا منها لمغزى وقيمة هذا المشروع المتفرد، وهو ما يسعى «حسين» إلى بيانه وتحليله بشكل علمى مدروس، مستندا إلى رؤية عميقة أو على حد تعبيره، أن مؤلفه يأتى من «منطقة التوقف» لا «التكرار»، بمعنى أنه «لا يريد أن يضيف خبرا إلى أرشيف مزدحم، ولا أن يعيد سرد ما قيل بصياغة أخرى، بل أن يضع القارئ أمام المشروع بوصفه لحظة فاصلة فى علاقتنا بالتاريخ: كيف نختار أن نضعه داخل إطار معاصر، وكيف تتحول الزيارة من انطباع سريع إلى فهم ممتد، لذلك لا يبدأ الكتاب من لحظة الافتتاح بوصفها نهاية سعيدة للحكاية، بل يعود إلى البذرة الأولى، كيف تولدت الفكرة، وكيف تحولت الحاجة إلى رؤية، ثم إلى لغة معمارية ومعرفية قادرة على مخاطبة إنسان اليوم دون أن تقطع جذورها».

دلالات مختلفة

الكتاب يضعنا مباشرة حول المعنى الكامن وراء إصرار الدولة على إنجاز هذا المشروع، صاحب الدلالات المختلفة، سواء سياسية أو اقتصادية أو ثقافية إلى آخره، فهو مشروع يجعلنا نتساءل: ماذا يعنى وجود المتحف الكبير، أو بدقة المؤلف: «ماذا يعنى أن تقرر دولة، فى لحظة بعينها من تاريخها، أن تعيد صياغة علاقتها بتراث عمره آلاف السنين، وتخرجه من القوالب التقليدية للعرض، وتضعه داخل منظومة جديدة تتحدث بلغة الحاضر دون أن تتنكر للجذور؟».
كما يحلل المؤلف-وفريق عمله- معنى المتاحف وهدفها، وهل تعدى هذا المتحف الحدود التقليدية التى تنشأ من أجلها هذه الكيانات الهامة فى حياة الأمم، هنا يضع أيدينا على الفرق الدقيق ما بين هذا المتحف وغيره من المنشآت المماثلة على مستوى العالم: «الرهان الحقيقى للمتحف المصرى الكبير يبدأ من الفرق الدقيق بين العرض والسرد، العرض يضع القطعة أمامك، أما السرد فيردها إلى سياقها، ويضعها داخل شبكة علاقات ومعان، ويحول المشاهدة إلى فهم، وفى حضارة بحجم وتعقيدات الحضارة المصرية، حيث يتداخل الدين بالسياسة، الأسطورة بالعلم، واليومى بالمقدس، يصبح السرد ضرورة لا رفاهية».

لكن هل يقصد هنا أن ننظر إلى المتحف الكبير باعتباره «حكيا لغويا»، تاريخ هذه القطعة أو غيرها، أم أن الأمر يتعدى ذلك؛ بالتأكيد هو يقصد «حكيا معماريا»، لكن كيف نصل إلى هذا الحكى ونفهم مغزاه فى ظل أن «العمارة ليست غلافا محايدا، ولا «واجهة جميلة» تحسن الصورة، بل خطاب قائم بذاته، فالحديث عن المتحف المصرى الكبير من زاوية العمارة ليس ترفا، لأن العمارة هى التى تصوغ الإيقاع؟ كيف نرتقى؟ كيف نلتفت؟ أين نصمت بصريا؟ وأين نفهم بالضوء؟ وكيف تقف كتلة معاصرة عند حافة الهضبة دون أن تصرخ بجوار الأهرامات أو تقلدها؟ هنا تتحول العمارة إلى «لغة» تقال بها الحكاية قبل أن تقرأ أى لوحة تعريف».

ويقترب أكثر المؤلف من بيان كيفية أن نقرأ هذا الحدث الفريد بعمق يناسب قيمته، حينما أوضح أن سيناريو العرض المتحفي، الذى نفذ ببراعة شديدة، استطاع أن يتجاوز فكرة عرض القطعة إلى أن يسرد حكايتها، أن يربطها بسياقها وما قبله وما بعده، أن «يضعها داخل شبكة من العلاقات والمعاني، العرض يترك الزائر أمام الشيء، أما السرد –كما تحقق فى هذا المتحف- فيدعوه إلى الفهم».

هذا «الفهم» هو قمة الوعى بهويتنا وهو ما يطمح «المتحف/ الكتاب» إلى بلورته، لننتقل من «منطق تجميع الآثار إلى منطق بناء الحكاية؟ كيف نعيد تقديم آلاف السنين من التاريخ بحيث لا تبدو ككتلة زمنية منتهية، بل كتجربة إنسانية متصلة، لها امتدادات فى الحاضر، وقدرة على مخاطبة إنسان اليوم بلغته وأسئلته».

المتحف وهويتنا

لكن هل استطعنا أن نقدم للعالم ولأنفسنا من خلال مقتنيات هذا المتحف «هويتنا»، وبأى صورة قدمناها، بشكل دعائى أم بعلم مستند إلى جذور راسخة.. علم كتب فيه عشرات بل مئات من الكتب فى علم المصريات، هنا يرى فريق بحث هذا الكتاب المتفرد، أننا تجاوزنا أن نقدم الهوية فى صورة شعارات، أو نختزلها فى رموز سطحية أو استدعاءات شكلية للماضى فـ «لا أهرامات مكررة، ولا أعمدة مستنسخة ولا زخارف تعاد صياغتها لإرضاء الحنين، بل تبنى الهوية بهدوء عبر لغة معمارية تحاول أن تكون معاصرة دون أن تكون منقطعة عن جذورها، وتحاور أن تحاور التاريخ دون أن تقلده أو تنافسه، هذه المنطقة الوسطى، التى تبدو للوهلة الأولى سهلة أو بسيطة أو بديهية، هى فى الحقيقة من أصعب مناطق التصميم، لأنها تتطلب وعيا حادا بحدود الجرأة وحدود الاحترام فى آن واحد».

ونقترب أكثر من القيم التى أرساها المصمم فى هذا المتحف، عندما استطاع أن يتجاوز مشاكل معمارية، لصعوبة الموقف، لاقتراب الأهرام بدلالاتها من المتحف: «فالعمارة، حين تقف بجوار الأهرامات، لا تمتلك رفاهية الخطأ، أى مبالغة تتحول فورا إلى ادعاء، وأى تقليد يتحول إلى ضعف، ومن هنا، يصبح الصمت المعمارى أحيانا أكثر بلاغة من الصراخ البصرى، ويصبح التنظيم أكثر قيمة من الاستعراض، المتحف المصرى الكبير فى هذا السياق، يختار أن يتكلم بهدوء، وأن يترك للزائر فرصة للاكتشاف بدل أن يفرض عليه انطباعا جاهزا».

وببراعة شديدة لخص فريق بحث الكتاب المغزى وراء هذا المشروع الكبير، والذى تراهن عليه الدولة المصرية فى مسارات شتى، حينما كشفوا عن قراءتهم الدقيقة للمتحف «كخطاب مزدوج الاتجاه، خطاب موجه إلى الداخل، إلى المصرى الذى يبحث عن علاقة جديدة مع تاريخه، علاقة لا تقوم فقط على الفخر العاطفى، بل على الفهم، وعلى إدراك أن هذا التراث ليس مجرد ماض بعيد .. بل جزء من تكوينه الثقافى والإنسانى اليومى، وخطاب موجه إلى الخارج، إلى العالم الذى ينظر إلى مصر بوصفها مهد حضارة عظيمة، لكنه ينتظر أن يراها بوصفها فاعلا ثقافيا معاصرا، قادرا على إعادة تقديم هذا الإرث بلغة زمنه، دون أن يفقد أصالته أو عمقه».

وبوضوح شديد يصل المعمارى سالم حسين بخبرته وثقافته وعلمه أن يدلنا على قيمة عمارة المتحف الكبير بوصفها: «عمارة لا تحاول أن تكون استعراضية أو صاخبة، ولا تسعى إلى لفت الانتباه بذاتها، بل تكتسب قوتها من هدوئها، ومن قدرتها على التنظيم لا السيطرة، وعلى الإيحاء لا التصريح، إنها عمارة تقول الكثير دون أن ترفع صوتها، وتترك للزائر مساحة للتأمل والتفسير، بدل أن تفرض عليه معنى واحدا مغلقا، وبهذا تتحول العمارة من خلفية صامتة إلى شريك أساسى فى صناعة التجربة والمعنى».

عراقة ثقافية

ويحاول الكتاب أن يستفيض فى بلاغة هذا المتحف، الجامع ليس فقط لمقتنيات أثرية، بل لتراث وطن عريق فى ثقافته، خاض العديد من المعارك ليس فقط من أجل استقلاله، بل من أجل الدفاع عن هويته، هذه الهوية والوعى بها، كان من أهم معارك الجمهورية الجديدة، ليأتى هذا المتحف ليبلور هذه المعركة ويضعها أمام أنفسنا والعالم، وأن يجيب المتحف –على حد تعبير سالم حسين- عن «أسئلة ظلت كامنة فى خلفية الوعى الثقافى المصرى منذ بدايات القرن العشرين، ثم أخذت تطفو إلى السطح مع كل اكتشاف أثرى جديد، ومع كل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المصريين وتراثهم، وبين العالم، وهذه الحضارة التى شكلت أحد الأعمدة الأساسية للتاريخ الإنسانى.. وكيف يمكن لمكان أن يحتوى آلاف السنين من الأفكار والعقائد والعلوم والفنون والطقوس اليومية، دون أن يختزلها فى قاعات صامتة أو يحولها إلى مجرد مشاهد للفرجة»..

الكتاب ينتقل أيضا بالقارئ إلى قلب «المتحف»، وكيفية وضع القطع بما يناسب أهميتها ودلالتها، ويتوقف كذلك عند الإمكانيات الهائلة لمركز الترميم بالمتحف، وانعكاس ذلك على معروضاته، التى يمكن رؤيتها بسهولة ويسر لتجعل «الزائر لا يندفع إلى الإسراع، ولا يغرق فى التفاصيل دفعة واحدة، بل يمنح مساحة للتأمل، ووقتا لبناء الفهم تدريجيا، المسافات بين القطع، طريقة توزيع الإضاءة، تسلسل القاعات، وحتى لحظات الصمت البصرى، كلها عناصر تعمل معا لصالح فكرة واحدة: أن التاريخ لا يفهم بالصدمة، بل بالتراكم الواعى».

ويشرح سالم حسين ببراعة سيناريو العرض مؤكدا أن المتحف يتبنى أسلوب العرض الحديث، مرتكزا على «السرد البصرى والتفسيرى: يقسم إلى نحو 12 قاعة رئيسية لا تتبع التسلسل الزمنى البسيط وحده، بل تسرد قصة الحضارة المصرية القديمة من زواياها المتعددة. القاعات تغطى محاور موضوعية مثل الملكية والمعتقدات والحياة اليومية والاكتشافات الأثرية، ثم يأتى «عنصر المفاجأة» بوصفه هندسة للمسار: يبدأ المتحف بقطع ضخمة مثل تمثال رمسيس الثانى وسفينة خوفو، ثم يرتفع الزائر تدريجيا عبر الدرج العظيم حتى يصل إلى قاعتى كنوز توت عنخ آمون، فى مسار سردى مدروس لا يراهن على الكم، بل على التتابع والمعنى».

كافة التفاصيل

ويتوقف الكتاب كذلك عند كافة التفاصيل المرتبطة بالمتحف، وعلاقته بالمتاحف المصرية والعالمية، ومدى استفادته من التقدم العلمى فى مجال العرض المتحفى، ويفرد فصلا كاملا عن تأثير المتحف فى خريطة الاستثمار المصرية أو على حد تعبيره «حينما يصبح المتحف استثمارا فى المستقبل»، ويوضح هذا الأمر أكثر فـ «نتائج هذا المشروع لا تقف عند حدود الثقافة، فالمتحف، حين يقرأ ضمن سياقه العمرانى والاقتصادى والاجتماعى، يكشف عن نفسه كمحرك تنموى واسع الأثر، ليس فقط من خلال أرقام السياحة أو فرص العمل، بل من خلال إعادة تشكيل المشهد الحضرى، وخلق مسار جديد للمدينة عند حافة الصحراء، هنا تصبح التنمية امتدادا للثقافة، لا نقيضا لها، ويصبح الاستثمار فى التراث استثمارا فى المستقبل، لا استهلاكا للماضى».

يتكون الكتاب من خمسة فصول، بخلاف المقدمة والخاتمة، وهى: لماذا نكتب عن المتحف المصرى الكبير؟، ولادة المتحف المصرى الكبير.. الرؤية المعمارية والمعنى، المتحف فى سياق المقارنة .. قراءة تحليلية بين المحلى والعالمى، قراءة فى سردية تصميم المتحف بوصفها سردا والزمن بوصفه مادة بناء، وأخيرا العوائد التنموية للمتحف.
 

 

الكتاب:

«وراء الحجر.. سردية حضارة فى جدران معاصرة».
المؤلف:

سالم حسين، وفريق العمل: مى سيد، هنا محمد، ندى يحيى
الناشر:

قطاع التوزيع بمؤسسة أخبار اليوم