فحوصات الزواج بين الواقع والمأمول

الخبراء: التشريع يلزم بالفحص ولا يمنع الزواج وهذا هو الخطر

فحوصات الزواج بين الواقع والمأمول
فحوصات الزواج بين الواقع والمأمول


نجوي الفضالي

فى المسافة الفاصلة بين قاعة التحاليل الطبية ومكتب المأذون، يقف ملايين الشباب والفتيات كل عام أمام خطوة تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها شديدة العمق فى تأثيرها: فحوصات ما قبل الزواج ، خطوة يراها كثيرون إجراءً إداريًا روتينيًا لابد منه لاستكمال الأوراق، بينما ينظر إليها الأطباء باعتبارها حجر الأساس لحياة أسرية مستقرة، وصمام أمان صحى للأجيال القادمة، فى الواقع المصرى، لا يختلف المشهد كثيرًا من محافظة إلى أخرى: أوراق تُوقّع، عينات دم تُسحب، شهادة تُسلَّم، ثم يمضى كل طرف فى طريقه، أحيانًا دون أن يعرف بدقة ماذا تعنى النتائج، أو كيف يمكن أن تغيّر مستقبله ومستقبل أبنائه، هذا التحقيق الصحفى لا يناقش فقط هل نُجرى الفحص؟ بل يطرح السؤال الأهم: هل نفهمه؟ وهل نأخذ نتائجه على محمل الجد؟

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن أكثر من 1.7 مليون شاب وفتاة خضعوا لفحوصات ما قبل الزواج خلال الأعوام الأخيرة ضمن المبادرة القومية لفحص المقبلين على الزواج فى حملة 100مليون صحة هذه الأرقام لم تكن شكلية، بل كشفت عن حقائق صحية خطيرة منها اكتشاف نحو 32،000 حالة مصابة أو حاملة لأنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا)، بنسبة تقارب 1.9٪ من إجمالى المفحوصين، وتخصيص أكثر من 303 مراكز طبية معتمدة فى مختلف المحافظات لإجراء الفحوصات وإصدار الشهادات.. بالإضافة لآلاف الحالات التى تم توجيهها للاستشارة الطبية أو المتابعة العلاجية قبل الإقدام على الإنجاب.
الأطباء يؤكدون أن هذه الأرقام تمثل إنقاذًا صامتًا لآلاف الأطفال من أمراض مزمنة، كانت سترافقهم طوال حياتهم.
«طلعنا سالمين وخلصنا»
عبارة تتكرر على ألسنة كثير من المقبلين على الزواج، أحمد، 29 عامًا، يقول: «ما حسّتش إن الموضوع مهم… عملنا التحليل علشان الورق وبس كما طلبه المأذون لأنه أصبح إجباريًا لإتمام العقد، فى المقابل تحكى سمر (27 عامًا) قصة مختلفة تمامًا:حين توجهنا للمركز الطبى لاستخراج الشهادة اللى طلعت بعد أسبوعين «اكتشفنا إن أنا وخطيبى حاملين لجين وراثى، فى الأول خفنا، لكن الطبيب شرح لنا كل حاجة، كمّلنا الجواز، ومع المتابعة الطبية بقينا مطمئنين، النهارده عندى طفلان أصحاء.» ، أما سميةً تحكى تجربتها مع فحوصات ما قبل الزواج قائلة إن المأذون طلب شهادة الفحص الطبى من أحد المراكز المعتمدة، وهو ما دفعها للتوجه مع خطيبها إلى المركز الطبى، مصطحبين صور بطاقات الرقم القومى وصورًا شخصية، لاستكمال الإجراءات المعتادة، وتضيف «استلمنا النتيجة بعد أسبوع، وكانت الصدمة إن التحليل أظهر تطابقًا فى نتيجة أنيميا البحر المتوسط وعند استشارة الطبيب المختص، أوضح لهما أن تطابق التحليل يعنى أن كلا الطرفين حامل للجين الوراثى للمرض، وهو ما يرفع احتمالات إنجاب طفل مصاب بنسبة تصل إلى 25٪ فى كل حمل، مع اختلاف نسب الخطورة من طفل لآخر، نظرًا لأن المرض جينّى وراثى ينتقل عبر الأبوين، وتقول سمية إن الأطباء شرحوا لهما الخيارات المتاحة، مؤكدين أن استمرار الزواج لا يعنى بالضرورة إنجاب أطفال مرضى، لكن الإنجاب الطبيعى يحمل مخاطرة مرتفعة و»بعد بحث طويل واستشارات متعددة، أكد لنا الأطباء أن الوسيلة الأكثر أمانًا لتفادى إصابة الأطفال هى اللجوء إلى الحقن المجهرى.»
التحليل وحده لا يكفى
يؤكد د. أيمن التهامى الأستاذ بكلية طب بنها: أن فحوصات ما قبل الزواج ليست أداة منع، بل وسيلة كشف مبكر، وأضاف أن «نحو 60٪ من حاملى جينات التلاسيميا لا يكتشفون حالتهم إلا من خلال فحص ما قبل الزواج، المشكلة ليست فى النتيجة، بل فى غياب الشرح. ويضيف أن حمل الجين لا يعنى المرض، لكنه يرفع احتمالات إنجاب طفل مصاب إذا كان الطرف الآخر حاملًا للجين نفسه، وهو ما يجعل الاستشارة الطبية عنصرًا لا غنى عنه، وذلك قبل أن يدفع الطفل الثمن لأن الطفل المصاب بالتلاسيميا الكبرى مثلا يحتاج إلى: نقل دم دورى مدى الحياة، علاج مستمر لإزالة الحديد، متابعة طبية دقيقة هذه الرعاية تمثل عبئًا نفسيًا واقتصاديًا ضخمًا على الأسرة والدولة، مقارنة بتكلفة بسيطة نسبيًا للفحص والوقاية وأضاف أن الوقاية هنا ليست رفاهية، بل ضرورة صحية واقتصادية.
وأضاف التهامى أن تطوير منظومة فحوصات ما قبل الزواج بات ضرورة ملحّة تفرضها المتغيرات الصحية والاجتماعية، مشددًا على أن الفحوصات الحالية-رغم أهميتها-لم تعد كافية وحدها لمواجهة كل المخاطر المحتملة التى قد تهدد استقرار الأسرة مستقبلاً، وأوضح التهامى أن توسيع قاعدة الفحوصات يجب أن يشمل الكشف عن مزيد من الأمراض المعدية، إلى جانب إجراء سونار وفحص ظاهرى طبى دقيق للأعضاء التناسلية، بهدف اكتشاف أى عيوب أو تشوهات خلقية قد لا تكون ظاهرة للعامة، لكنها قد تؤثر لاحقًا على العلاقة الزوجية، وقد تتسبب فى مشكلات نفسية واجتماعية حادة، تصل فى بعض الحالات إلى الانفصال، أو تتحول إلى جرائم أسرية نتيجة الضغوط المتراكمة.
الفحص يحمى من الصدمات
أكد د. هشام فتحى استشارى جراحة المسالك البولية والذكورة والعقم، أن فحوصات ما قبل الزواج تمثل حجر الأساس لأى علاقة زوجية مستقرة، مشددًا على أن الاكتفاء بالفحوصات التابعة لوزارة الصحة-رغم أهميتها-لا يغنى عن الفحص الطبى الشامل بالمجهود الشخصى داخل العيادات المتخصصة.
وأوضح فتحى أن الفحوصات الحكومية تركز بشكل رئيسى على الأمراض المعدية والوراثية، وهو دور وقائى بالغ الأهمية، لكنه لا يغطى جميع المشكلات الصحية التى قد تؤثر على الزواج والإنجاب لاحقًا، خاصة تلك المرتبطة بالذكورة والجهاز البولى، وأضاف أنه خلال سنوات عمله الطبى، صادف العديد من الحالات التى جاءت إليه قبل الزواج مباشرة، مكتشفة مشكلات صحية خطيرة كانت تحتاج إلى تدخل مبكر وفترات علاج طويلة.
كما أعلن استشارى جراحة المسالك تأييده الكامل لإضافة تحاليل الكشف عن تعاطى المخدرات ضمن فحوصات ما قبل الزواج، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل إجراءً وقائيًا لحماية المجتمع والأسرة، وليس أداة للعقاب،مضيفًا: «تعاطى المخدرات قنابل موقوتة داخل البيوت. اكتشافها مبكرًا يحمينا من جرائم مستقبلية نحن فى غنى عنها».
الفحص تحول لإجراء روتينى
د. هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع أكدت أن الخوف من الوصم الاجتماعى وضغط الأسرة للإسراع بالزواج وضعف الثقافة الصحية جعل المجتمع يتعامل مع الفحص كعقبة إدارية، لا كحق صحى وهنا أطالب بضرورة تغيير الخطاب من الخوف إلى الوعى.
وأوضحت زكريا أن الكشف المبكر عن المشكلات الصحية قبل الزواج يجنّب الزوجين قلقًا كبيرًا قد ينشأ عند اكتشاف مشكلات عضوية أو صحية فى مرحلة لاحقة، مؤكدة أن بعض هذه المشكلات يكون تأثيرها مباشرًا على مصير العلاقة الزوجية.
وأشارت إلى أن من بين أهم الفحوصات التى لا يجب الاستهانة بها اختبارات توافق عامل RH، لما لها من دور حاسم فى الوقاية من حالات الإجهاض المتكرر، وحماية الأم والجنين من مضاعفات صحية خطيرة، موضحة أن الوعى بهذه التفاصيل الطبية ينعكس إيجابيًا على الاستقرار الأسرى.
إعادة النظر
من جانبها أكدت المستشارة نهى الجندى، عضو اتحاد المحامين العرب، أن تصاعد المشكلات والجرائم الأسرية خلال الفترة الأخيرة يفرض ضرورة إعادة النظر جذريًا فى منظومة فحوصات ما قبل الزواج، لتتجاوز الإطار الصحى التقليدى، وتدخل إلى عمق السلامة النفسية والسلوكية.
وقالت الجندى إن الاكتفاء بالفحوصات الحالية لم يعد كافيًا فى ظل واقع اجتماعى يشهد تزايدًا فى حالات العنف الأسرى والقتل داخل نطاق الأسرة، مشيرة إلى أن تحليل المخدرات والاختبارات النفسية المتعمقة يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من الفحص قبل الزواج.
وأضافت: «فى حال ثبوت إيجابية تحليل المخدرات أو وجود اضطرابات نفسية مؤثرة، يجب منع الزواج أو تأجيله إلى حين التعافى الكامل، حمايةً للطرف الآخر وللمجتمع».
وأوضحت المستشارة القانونية أن خبرتها العملية كشفت أن عددًا كبيرًا من جرائم القتل والعنف الأسرى يرتبط بتعاطى المواد المخدرة، مؤكدة أن جعل تحليل المخدرات إجباريًا من شأنه أن يساهم فى تقليل معدلات الطلاق وخفض الجرائم الأسرية وردع الشباب عن التعاطى خوفًا على مستقبلهم الأسرى والقانونى.