لم تعد المعركة مع التكنولوجيا معركة أدوات ولكن أصبحت معركة وعى، فالعقل البشرى حين يترك نهبًا لخوارزميات لا أخلاق لها يفقد تدريجيًا قدرته على التمييز ويعاد تشكيله وفق منطق الربح لا منطق القيم، الخطر الحقيقى لا يكمن فى وجود منصات التواصل الاجتماعى، إنما فى السماح لها بالتغلغل فى وعى الأطفال بلا حراسة تشريعية ولا مساءلة قانونية.
ومن هنا جاءت التجربة الأسترالية كصفعة واقعية للعالم ورسالة مباشرة مفادها أن الدولة القوية هى التى تحمى عقل طفلها قبل أن تحمى شاشتها، فخلال ثلاثين يومًا فقط من دخول قانون حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعى على من هم دون السادسة عشرة حيز التنفيذ أزالت الشركات نحو ما يقارب 4٫7 مليون حساب لقاصرين وفق البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة تنظيم الإنترنت فى أستراليا.
وهى أول مرة تعلن فيها أرقام حكومية بهذا الحجم تكشف امتثالًا فعليًا لا شكليًا من شركات التكنولوجيا الكبرى، مفوضة السلامة الإليكترونية جولى إنمان جرانت وصفت النتائج بأنها مؤشر مبكر وقوى على بدء «إعادة ضبط الفضاء الرقمى» مؤكدة أن المنصات الكبرى شرعت فى اتخاذ إجراءات ملموسة لمنع وجود القاصرين على منصاتها.
والأهم من الأرقام ذاتها هو الإطار الفكرى الذى حكم هذا القانون إذ لم يحمل الطفل المسئولية ولم يترك العبء وحده على كاهل الأسرة بل وجهت المحاسبة القانونية مباشرة إلى الشركات مع غرامات تصل إلى 49٫5 مليون دولار أسترالى فى حال المخالفات الجسيمة أو المتكررة، التجربة الأسترالية لم تتعامل مع الواقع بمنطق المثالية ولم تدع أن الحظر سيقضى كليًا على وجود القاصرين فى الفضاء الرقمى.
ومع ذلك أقرت السلطات بوجود محاولات للتحايل لكنها شددت على أن نجاح التشريعات لا يقاس بالمنع المطلق ولكن بتقليص الضرر وتغيير السلوك العام وإعادة صياغة الأعراف الثقافية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا تمامًا كما يحدث فى قوانين المرور أو السلامة العامة، فالأثر الحقيقى كما تؤكد جرانت هو أثر تراكمى يمتد لسنوات ويقاس على مستوى الأجيال.
هذا النموذج يفرض نفسه بقوة على الحالة المصرية، فمصر ذات الكتلة السكانية الشابة تواجه توسعًا غير مسبوق فى استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعى فى ظل غياب تنظيم عمرى صارم ما يفتح الباب أمام الإدمان الرقمى والتنمر الإليكترونى والتعرض لمحتوى عنيف أو مضلل أو غير مناسب للسن وهو ما حدث بالفعل، ورغم وضوح هذه المخاطر لا تزال المسئولية موزعة ومائعة بين الأسرة والمدرسة بينما تغيب المحاسبة الحقيقية عن الطرف الأقوى «شركات التكنولوجيا».
ما أثبتته أستراليا أن التدخل التشريعى ليس ترفًا ولا مغامرة سياسية بل بمثابة ضرورة لحماية الأمن النفسى والثقافى للمجتمع، تشريع مصرى واضح يحدد سن الاستخدام ويلزم المنصات بالتحقق العمرى الفعلى وينقل العبء القانونى من المواطن إلى الشركة مع غرامات رادعة تتناسب مع حجم الأرباح داخل السوق المحلى، الأمر لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل يعتبر خطوة واجبة إذا أردنا تحصين الأجيال القادمة من فوضى رقمية بلا ضوابط.
فى النهاية القضية ليست فى إغلاق حساب أو حذف تطبيق ولكن فى استعادة دور الدولة كحارس للعقل العام، فالطفل لا يملك أدوات الدفاع والأسرة وحدها لا تكفى أما الدولة فتمتلك التشريع والرقابة والقدرة على فرض التوازن، وإما أن نضبط علاقتنا بالفضاء الرقمى اليوم، أو نتركه يعيد تشكيل وعى أجيال كاملة خارج أى إطار قيمى أو وطنى وفى هذه المعركة لا مكان للحياد.

البيضة والحجر!
د. محمد محسن رمضان يكتب: الجيل الجديد من التجسس الرقمي يهدد الخصوصية الإلكترونية
دينا الصاوي تكتب: تسعون دقيقة من الانتماء





