قضية ورأى

الوعى المتجدد وثقافة التدوير

د. حمدى هاشم
د. حمدى هاشم


لم يتخذ أجدادنا إعادة الاستخدام رفاهية بيئية، بل ممارسة إنسانية متواصلة عبر الزمن، يعيدون استخدام بعض المواد لإطالة عمر المنتج وتقليل الحاجة لشراء جديد، ويستخلصون السماد من المخلفات العضوية، وغير ذلك. ولما كانت استدامة الحضارات لا تنفصل عن ثقافة التدوير، فقد طورت الحضارة المصرية القديمة ممارسات ذكية فى التخطيط المستدام لإدارة المخلفات، بل ابتكروا إعادة التدوير قبل أن يسمى تدويراً، وخاصة صهر الزجاج ومعالجة المعادن وورق البردى، لاستخلاص المادة الخام من المخلفات لتصنيعها من جديد، وذلك لاسترجاع المواد وتقليل استخراج موارد جديدة. ومن أسباب بقاء هذا الأثر فى التاريخ، أنها جعلت الاهتمام بالنظافة جزءاً من الثقافة اليومية!

لذا، ما نفعله اليوم إحياء لإرث فيه منفعة بطرق علمية وحديثة، مع ربط الوعى (الفكرة) بالسلوك البيئى (الفعل) فى التحول المعرفى المستدام، لأن الوعى يغير رؤية الإنسان للعالم الخارجى، ولا يحدث هذا التغيير إلا باستنهاض ملكة إعادة التفسير (الإدراك والفهم)، فيتحول سلوك الأفراد من مجرد عادة إلى جزء من الهوية المستدامة (الوعى المتجدد). ويظل الوعى شرط لازم ولكنه غير كافٍ، فأغلب سكان مدن المحروسة يعرفون أهمية التدوير، ولكنهم لا يفعلون ذلك، لغياب الأدوات والبنية التحتية والوقت والحوافز. ويبقى الوعى عقل السلوك الجمعى باتجاه الاستدامة، ولكنه يحتاج لبيئة داعمة (اجتماعية ومؤسسية وتمويلية) تدور فى فلك الوعى المتجدد وثقافة التدوير! 

وصلنا مصطلح «إعادة التدوير» مع صعود الحركات البيئية فى القرن العشرين، وصدر شعاره لأول مرة (1970) بمحفزة بصرية لمراحل إعادة التدوير الثلاثة، وأصبح رمزاً عالمياً فى التسعينيات مع توسع برامج التدوير فى أمريكا وأوروبا. ويبقى المفهوم متجذراً فى الثقافة المصرية لابتكار قدماء المصريين إعادة التدوير، والذى تطور مع سياسات البيئة والتنمية المستدامة، ليظهر بقوة مع الخطط الوطنية لإدارة المخلفات خلال العقدين الأخيرين، وإطلاق استراتيجية مصر (2030) للتنمية المستدامة. وكان مجلس بحوث البيئة بأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا أول من قرر دراسة مشكلة المخلفات الجافة والاستفادة الاقتصادية منها (منذ نهاية السبعينيات)، وقد تناولت شعبة البيئة بالمجالس القومية المتخصصة الجدوى الاقتصادية للمخلفات الصلبة فى مصر (2010)، وكذلك مجلس التنمية الاقتصادية دراسة لإعادة تدوير المخلفات (2015). ولا مبالغة فى وصفى للمخلفات البيئية بالمناجم الحضرية والكنوز المكشوفة لتحسين جودة الحياة، فى مشروع قومى وشركة وطنية لإعادة التدوير.

ورغم تأسيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات (القانون رقم 202 لسنة 2020)، فلا تزال هناك تحديات ومعوقات مختلفة، وهذا يتطلب تناوله فى مقال منفصل. أما عن ثقافة التدوير فلا زالت فى طور التكوين مقارنة بالتجارب الدولية (ألمانيا، اليابان، إيطاليا، البرازيل، وغيرها)، ومن الأسباب المؤثرة فى الحالة المصرية: ضعف الوعى المجتمعى بثقافة الفصل من المنبع، والمقاومة الثقافية لاعتبار الفرز عبئاً إضافياً لدى بعض الأسر، لأن غياب الحوافز الاقتصادية يجعل السلوك مجهوداً بلا مقابل، والشارع غير النظيف يشعر الفرد أن جهده بلا قيمة، ورغم الاعتماد الكبير على جامعى القمامة لإعادة التدوير لم يتم دمجهم فى القطاع الرسمى، ولم تخصص شركة لاستلام المواد بعد الفصل.  

ويبقى الوعى الجمعى أساس التقدم، والحل المتطور لمعوقات التنمية المكانية (بنيوية، اجتماعية وثقافية، نفسية وسلوكية، ومؤسسية وتشريعية). وتظل المعوقات البنيوية قوة مضادة للسلوك الإيجابى، وإن كان الفرد واعياً وشغوفاً، فقد تثبطه البيئة أو تدفعه للنزعة الفردية! لذا، يحتاج الأمر لنشر الوعى بثقافة إعادة التدوير، فى شتى مجالات الحياة، ودعم التنافسية التعاونية بالحوافز لرفع كفاءة الأداء، وتعظيم قوة وسائل الإعلام والفنون بمختلف أشكالها، وتفعيل سلاسل التدوير الذكية، للاستفادة من الذكاء الاصطناعى فى تعزيز الوعى البيئى وترسيخ ثقافة إعادة التدوير.