انتباه

نحو الحوار!

علاء عبد الوهاب
علاء عبد الوهاب


أى متابع لأحوال العالم سوف يلحظ دون أدنى جهد يبذله، أن لفظة «الحوار» اختفت تماماً، فلم يعد لها حظ فى أى حدث أو خبر أو علاقة ثنائية أو متعددة الأطراف، والملاحظ أيضاً أن إدارة الخلافات والاختلاف نبذ أطرافها لغة الحكمة والعقل التى هى أساس الحوار، لصالح لغة القوة، وصولاً لتسييد شريعة الغاب بديلاً للقانون الدولى وأبسط القيم الإنسانية!

غاب عن المشهد العالمى مفهوم التعايش وقبول الآخر، وهما من يمهدان لأى حوار حقيقى متكافئ بين أى طرفين وعلى كل الأصعدة، إذ البشرية فى مسيس الحاجة للحوار منهجاً وآلية لتفادى الصدامات، وتصعيد الصراعات، ومنع نشوب الحروب لاسيما الممتد منها، وما ينتج عنها من آثار مدمرة للإنسان والحجر والشجر، بل بلوغ الخطر مداه بتهديد الكيانات الوطنية ذاتها.

فى غيبة الحوار تضاعفت التحديات غير العسكرية، لتشمل كل مناحى الحياة الإنسانية فى الاقتصاد، والصحة، والبيئة، والمناخ، والموارد بأنواعها،...، ....، وفى ظل تهميش متعمد وممنهج لدور المنظمات الدولية والإقليمية، وانسحاب القوة المهيمنة على مقدرات العالم من عشرات المنظمات، وحجب التمويل عنها، والطعن فى أهميتها، بل وشرعية وجودها، استيقظت البشرية على كابوس نحر فكرة الحوار، وفلسفته وتطبيقاته، فسادت الحيرة وعدم اليقين وضبابية المستقبل فى سماء المعمورة!

بدأت المأساة بدفع مفهوم الحوار نحو التأزم والتغييب، وفرض المآزق المتتالية ليتقهقر، ومعه من ينحازون إليه، ثم تهيئة الظروف لنحره، وإحلال مركزية مفهوم الصراع، والأزمات ليس فى العلاقات الدولية والإقليمية فحسب، وإنما تصديرها للكيانات الوطنية بصور متعددة، دينية وعرقية وقبلية، ونشر حالة من اليأس من جدوى الحوار، وأن يكون البديل فرض وساطات خارجية، ممن يصبون الزيت على نار الخلافات، حتى يستحيل الحوار، وتلك صورة أخرى لنحر الحوار، أو انتحاره ذاتياً!

هكذا، فان المتفائلين تاريخياً بمفهوم الحوار، وفى ظل ما يشهده العالم من ممارسات فاضحة وفادحة لجنون القوة وغطرستها، بدأوا فى فقدان تفاؤلهم، بل إن من يملكون من أدوات القوة الشاملة كالاتحاد الأوروبى صاروا يشاركون بتشاؤمهم معسكر المتفائلين، حتى خرجت رئيسة المفوضية الأوروبية، داعية منظومتها للتخلى عن حذرها التقليدى فى عالم تسوده «القوة الفجة»، فالحوار مع الأخ الأكبر بلا جدوى!

هل ننتظر معجزة عودة الروح للحوار، واحترام قيمه بعد أن تم نحره بدم بارد ؟!