ليست كل القصص الخارجة عن القانون حكايات فوضى أو عنف، فبعضها يبدأ بشغفٍ نقيّ وينتهي بمفارقة قاسية، قصة داريوس ماكولوم تكشف جانبًا غير مألوف من العلاقة بين العبقرية والنظام، حيث تحوّل الإتقان إلى تهمة، والالتزام إلى جريمة، في عالم لا يعرف كيف يحتوي المختلفين.
وُلد داريوس ماكولوم عام 1965 في نيويورك، وذاع صيته لاحقًا بلقب «قرصان النقل»، وهو لقب يحمل طابعًا ساخرًا أكثر من كونه إجراميًا، فعلى مدار أربعين عامًا، وفقا لموقع "gainesville".

أُلقي القبض عليه أكثر من 32 مرة، ليس بسبب تخريب وسائل النقل أو تعريض الركاب للخطر، بل لأنه كان يقود القطارات والحافلات بدقة لافتة وكأنه موظف رسمي في نوبات عمله المعتادة.
بدأ ارتباط داريوس بعالم النقل في سن مبكرة جدًا؛ ففي الخامسة من عمره، كان قد حفظ خريطة مترو نيويورك بكل خطوطها وتشعباتها، ومع تقدمه في العمر، شُخّص بمتلازمة أسبرجر، وهي حالة جعلت الأنفاق والإشارات والجداول الزمنية تمثل له عالمًا من النظام والطمأنينة، وفي الخامسة عشرة، نفّذ أولى "مخالفاته" حين ارتدى زي العاملين وقاد قطارًا مليئًا بالركاب، ملتزمًا بكل محطة وكل دقيقة، دون أن يشعر أحد بوجود أي خلل.
ما أثار الدهشة أن داريوس لم يكن مجرد منتحل صفة، بل كان يؤدي عمله بكفاءة تفوق أحيانًا العاملين الرسميين، فقد كان ينطق أسماء المحطات بوضوح، يلتزم بالمواعيد بدقة، ويساهم طوعًا في إصلاح الإشارات المعطلة وتنظيف المحطات، وفي إحدى الحوادث اللافتة، تولّى قيادة حافلة مطار بعد غياب سائقها، حرصًا على عدم تعطيل الركاب، دون أن يسعى إلى شهرة أو مقابل.
رغم ذلك، رأت السلطات في تصرفاته تهديدًا لأمن النقل العام، لا شغفًا أو موهبة استثنائية،ومع تكرار الحوادث، انتهت قصته في عام 2018 بحكم يقضي باحتجازه مدى الحياة داخل منشأة نفسية مؤمّنة، بعد محاولته الأخيرة لقيادة حافلة، وأصبحت قضيته رمزًا لفشل المجتمع في إيجاد حلول إنسانية لاحتواء العقول المختلفة، وهو ما وثّقه الفيلم الوثائقي Off the Rails.

وتبقى قصة داريوس ماكولوم مثالًا مؤلمًا على التناقض بين النظام والإنسان، حيث عوقب الرجل الذي جعل المواصلات تسير بانضباط نادر، لأنه لم يجد مكانًا رسميًا يسمح له بأن يكون ما وُلد ليكونه.

مشروبات الطاقة.. أضرار ومضاعفات خطيرة
«اللبن المتجمد أم القاطع».. أيهما أفضل للاستخدام
جددي في مطبخك.. طريقة تحضير فيليه اللحم بحشو الخضار







