وبعد أن قررت المشاركة فى التظاهرة القادمة من مسجد خاتم المرسلين القريب من نفق الهرم بالجيزة، وتصاحبنى حقيبتى المليئة بالأوراق والملفات الهامة والخاصة بمشروعي (رامتان لتطوير التعليم)، وبذلك أكون قد تخليت عن موعدى الهام الذى حددته لى إحدى المؤسسات الكبرى للاطلاع على مشروعى وذلك بساقية الصاوى بالزمالك .. (وكانت تلك فرصة عظيمة لأستكمل مشوارى الحياتى وأحقق ذاتى وطموحاتى)، ولم أفكر هل ستنجح تلك التظاهرة أم لا! وإلى أين سينتهى بها المطاف! كان كل تفكيرى أن أعبِّر عن رأيى كغيرى من ملايين المصريين الذين شاركوا فى ثورة يناير بنقاء وإخلاص، ولا هم لهم سوى أن يروا وطنهم أفضل، وكان يجمعهم شعور عام أن طول العشرة التى عاشوها مع الرئيس الأسبق حسني مبارك التى امتدت لأكثر من ثلاثين عاما قد أتت إلى نهايتها، وأنه ينبغى إفساح المجال لدماء جديدة بفكر جديد يتولي أمانة ومسئولية هذا الوطن العريق الضاربة جذوره فى أعماق التاريخ .. فما بالنا ألا يقتصر الأمر على طول العشرة وفقط وأنها قد استفحلت، بل زاد الأمر سوءا حين أدرك المصريون أن الابن يُعدُّ ويُهيَّأ ليرث تلك التركة ليكمل مسيرة الأب، وكأننا رجعنا إلى عهد الملكية، وكأن مصر قد عقمت أن تنجب أصحاب الكفاءة والخبرة لينالوا شرف تحمل مسئولية هذا الوطن .. فكان هناك شعور عام بامتهان كرامتهم وأن كرسى الرئاسة قد صار إرثا لا يحق لأى مصرى أن يتنافس على الوصول إليه لخدمة أبناء وطنه.. فإن كان ولابد من ترشح الابن للرئاسة (وهذا حق دستورى لأى مواطن مصرى طالما استكمل واستوفى شروط الترشح)، فعليه ألا يترشح فى وجود الأب وفى حياة الأب الذى بيده مقاليد الأمور، ولاشك أنه سيوظف كل نفوذه لإيصال الإبن إلى كرسى الحكم .. فكان هناك شعور جامع برفض مشروع التوريث..
وأكملت سيرى فى التظاهرة حتى وصلنا إلى أول نفق الهرم، وفوجئنا بكوردون أمنى ليمنعنا من الوصول إلى ميدان الجيزة حيث مسجد الاستقامة الذى أعلن فيه الدكتور محمد البرادعى أنه سيصلى الجمعة به ليقود التظاهرة من هناك.. فأخذنا نردد الهتافات بشكل سلمى وعفوى ونحاول أن نخلخل هذا الكوردون لنعبر نفق الهرم، وكانت قوات الأمن تمنعنا باستخدام القنابل المسيلة للدموع (والمتعارف عليها دوليا والمسموح بها) ولم نرs غير ذلك.. (لم يطلق علينا رصاص أو غيره)، وبين الشد والجذب مع الكوردون والكر والفر وقعت على الأرض ووقعت معى حقيبتى وتمزق بنطالى ناحية ركبتى التى وقعت عليها وانفك جرّار قفل الحقيبة وانفتح.. وانهالت منها ملفاتى وأوراقى على الأرض.. وفوجئت بإيجابية المصريين الذين تباروا فى مساعدتى ولملمة أوراقى مرة أخرى.. فأحدث هذا فى نفسى شعورا لا يوصف وأمدنى بطاقة إيجابية لأستكمل مسيرتى مع أشقائى من المصريين، وأصبح كل همى أين أضع حقيبتى! فلن أرجع لبيتى مرة أخرى حتى لا تفوتنى تلك اللحظات والساعات التاريخية التى حظيت بها من عمرى وعمر الوطن.. وظللت أقول فى نفسى: أين أضع حقيبتى! ونحن فى بداية نفق الهرم ولا أرى محلا أو دكانا يفتح أبوابه فكل الأماكن مغلقة.. وبالتالي كيف أستمر فى المشاركة وحقيبتى الممزقة تمثل عبئا علىّ نظرا لحالة الكر والفر التى سيطرت على حركتنا فى ذلك المشهد المهيب.. وبينما نحن على هذه الحالة من الكر والفر إذ بنا نفاجأ بسيدة خمسينية تقف بجوار سور نفق الهرم، وبكل حماسة تقفز من فوق السور إلى داخل النفق وبدأت تنادى على الشباب: (إنتوا مستنيين إيه ..) فقفز الشباب وراءها وبالتالى بدأوا يملأون نفق الهرم من الداخل وأصبح الكوردون الأمنى محاصرا بيننا وبين من قفزوا وبالتالى نجحنا فى عبور نفق الهرم ووصلنا إلى ميدان الجيزة (تحت الكبارى)، فوجدنا أعدادا هائلة (عشرات الآلاف) قد تجمعوا فى تلك المنطقة المحيطة بمسجد الاستقامة الذى من المفترض أن يخرج منه البرادعى لقيادة التظاهرات، وبالطبع كان هنالك كوردون أمنى أكبر بكثير من كوردون نفق الهرم.. وأمام هذا المشهد المهيب لم يستطع البرادعى أن يستمر (وسوف نسلط الضوء على شخصية البرادعى، وهل كان يستحق تلك الهالة التى صُنعت حوله أم لا؟)، بينما استمر المصريون بهذا الحشد المهيب وهم بين الكر والفر لخلخلة ذلك الكوردون الكبير .. وبينما أنا على هذه الحالة بحثت عن أى محل أو دكان لأضع به حقيبتى، فالكل أغلق أبوابه حتى وجدت محلا، فقلت فى نفسى أخيرا سأتخلص من عبء حقيبتى لأشارك بأريحية.. وذهبت إلى صاحب المحل واستأذنته أن أضع حقيبتى.. وفتحتها أمامه ليرى ما فيها لكى يطمئن، وزدت على ذلك بأن أريته بطاقتى الشخصية ناهيك عن أن ملفاتى كان بها أعداد من جريدة الأهرام التعليمى، حيث كنت أشارك بها كمستشار تعليمى لمادة اللغة العربية لطلاب الشهادة الثانوية العامة، وبالطبع توضع على تلك الأعداد صورتى الشخصية واسمى.. وبذلك يطمئن الرجل تماما لى.. لكن للأسف رفض الرجل خوفا وقلقا.. وتكرر هذا الأمر مع بائع آخر.. حتى أصابنى اليأس.. أين أضع حقيبتى! التى تمثل عائقا فى حركتى مع التظاهرة الضخمة.. حتى ساقتنى قدماى إلى شارع جانبى من شوارع الميدان التى كانت تعج بالمتظاهرين فوجدت إحدى الصيدليات تفتح أبوابها، وذهبت إليها وعرضت حقيبتى على الطبيب صاحب الصيدلية ووجدت عنده رحابة صدر والابتسامة تكسو وجهه ووافق على ترك حقيبتى عنده قائلا لى: (إنتوا أمل مصر).. بالطبع كانت تلك مغامرة منى إذ كيف اضع حقيبتى التى بها رأسمالى كله من أفكارى، كيف أتركها عند شخص لا أعرفه ولا يعرفنى!.. لك أن تتخيل عزيزى القارئ كيف كان شعورى وشعور من شاركوا أنه كان لديهم حلم يسعون لتحقيقة من رؤية وطنهم بحال أفضل، وكما قالها المناضل الأمربكى الشهير: مارتن لوثر كنج (لدىّ حلم)..
نعم لدىّ حلم ولدى كل من شاركوا بنقاء فى هذه الثورة، لدينا حلم .. بعيدا عن القلة التى شاركت ولديها امتدادات خارجية وتلقت تدريبا وتمويلا من جهات أجنبية وداعمين لهم من قوى إقليمية ودولية تحركها أجهزة استخبارات لتمرير مخطط الشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة والسايكس بيكو الجديد.. (الإخوان والنيوليبرال وممن أُطلق عليهم بشباب ثورة يناير)، وهذا هو الفارق الشاسع بين هؤلاء الأدعياء وبين الأنقياء الذين شاركوا بنقاء وإخلاص وكانت لهم مطالب معيشية وفئوية مشروعة وعادلة، بالإضافة إلى شعورهم العارم برفض التوريت لأنه يمثل امتهانا لكرامتهم وكأن مصر رجعت مرة أخرى لعهد الملكية.
نستكمل فى الحلقة القادمة بإذن الله عن البرادعى ودوره فى تلك الأحداث.
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







