دخل قطاع غزة رسميا المرحلة الثانية من اتفاق وقف اطلاق النار والتى تشملؤ القطاع ونزع سلاحه بالكامل، بما فى ذلك نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى.
لكن هذا التطور لم يكن ما يريده رئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة. فمشروعهم الوحيد للقطاع هو إفراغ أهله منه والاستيلاء على الأرض وهو ما يتكرر على لسان الحكومة اليمينية حتى الآن.. وهو الموقف الحقيقى والرغبة الحقيقية لدى هؤلاء التى لا تتبدل ولا تتغير ولا حتى تتجمل او تستتر خلف مواقف أخرى.. فالعداء صريح والرغبة فى الإبادة أكيدة..
لكن موقف نتنياهو نفسه يتبدل ويتغير ويتجمل ويستتر ويخفى العداء الصريح بين حين وآخر.. فتارة يختلف مع الموقف الأمريكى وتارة أخرى يقرر الانضمام لمجلس السلام الهادف لإنهاء النزاعات فى العالم وفى مقدمتها غزة. فما حقيقة ما يحدث؟
يمكن القول ان نتنياهو الملقب فى الأوساط الإسرائيلية بـ«بيبى» هو الآن فى أصعب أوقاته السياسية منذ بداية العدوان على غزة فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.. فالرجل مقبل على انتخابات عامة مقررة فى أكتوبر القادم وقد يتم تبكيرها ليونيو. ولا يحمل فى جعبته «الكثير من الانجازات» خلافا لادعاءاته.. فالتهجير فشل بل إن عدد سكان القطاع المنكوب فى زيادة.. كما لم ينته وجود حماس بعد فى القطاع، علما بوجود تقارير عن تفاهمات بين الحركة وواشنطن تفيد قبول أمريكا لها كحزب سياسى (غير مسلح) فى القطاع. كما ان حزب الله فى لبنان حتى الآن لم يلق سلاحه، والحوثيين فى اليمن لم يقض عليهم، ولم تنقطع خطوط الدعم اللوجيستى بينهم وبين إيران.. وسوريا تعمل حتى الآن فى كبح جماح المتمردين من الأقليات لصالح وحدة البلاد، كما ان اتفاقًا أمنيًا- تريده إسرائيل - لم يوقع بين البلدين بعد. والأهم أن إيران باقية، ولا تتوقع تكهنات المحللين ان تعرضها لسيناريو مثل فنزويلا او العراق او حتى الحرب القصيرة كاف لاخضاعها وانهاء طموحها النووى.. فالحرب أو تغيير النظام بالقوة قد لا تكون أمور ذات أى جدوى أمنية لإسرائيل، فضلا عن عدم قدرة وكفاية الدفاع الإسرائيلى فى التصدى للضربات الإيرانية الانتقامية المؤلمة.. كل ذلك فى عام الانتخابات الاسرائيلية.. وكان نتنياهو يعتمد مقاربات سياسية لكل مرحلة وكل ادارة أمريكية.. فمع الادارة السابقة عمد الى التحدى الظاهر والمعلن.. ومع الادارة الحالية يبدو ان نتنياهو يعتمد بالأساس على الاسترضاء واللين السياسى وشراء الوقت وكذلك الرهان على تقلب المزاج فى واشنطن. فلا تحدى مباشرا ولا تلميحات مستفزة للرئيس دونالد ترامب. كل ذلك رغم ما يتعرض له نتنياهو من ضغوط أكيدة واستراتيجية من اليمين للمضى قدما فى مسار العدوان والإبادة والسعى للتهجير الطوعى او القسرى.. ليس هذا فقط بل ان الرجل يواجه أيضًا اتهامات جنائية فى ثلاث قضايا فساد تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة ويسعى إلى الحصول على عفو رئاسى يوقف محاكمته الجارية. ومن ثم، فنتنياهو فى أصعب أوقاته وأدق ظروفه على الإطلاق.. ويبدو أن ذلك التقدير هو واضح للغاية فى واشنطن.. كما يبدو أن ترامب هو الآخر قد اتبع النهج نفسه مع نتنياهو العام الماضى، من حيث اللين السياسى والصبر لتحييد الضغوط الاسرائيلية، حتى يصل كلاهما الى هذا الوقت الدقيق.. الذى انحسرت فيه الاختيارات أمام نتنياهو.. فلا يستطيع مواجهة ترامب علنًا فى اى ملف.. فلا بامكانه التصميم على حرب مع إيران دون مشاركة أمريكا، ولا يستطيع الرفض العلنى لخطة ترامب للسلام فى غزة، بل ان المضى من مرحلة لأخرى فى اتفاق وقف إطلاق النار فى القطاع جرى بالفعل دون الموافقة الاسرائيلية الكاملة.. والأمر بات لاسرائيل كمن « يواجه الأمر الواقع».. خلال هذا الأسبوع سيتم فتح معبر رفح فى الاتجاهين والشروع فى إدخال المساكن المتنقلة واطلاق عملية إعادة الإعمار رغمًا عن إسرائيل.
لقد اعتادت اسرائيل على اللعب بكل الكروت.. حتى ان ورقة الرهائن استفادت منها اسرائيل (فى تدمير القطاع) أكثر ما استفادت منها حماس.. لكن الآن أصبحت الورقة الأخيرة التى يمكن ان تستفيد منها اسرائيل ولا تملك خيارًا حقيقيًا فى غزة غيرها هو أن ترفض حماس إلقاء سلاحها.. فهو أمل اسرائيل الوحيد لاعادة اطلاق العدوان ووقف مسار السلام فى القطاع.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







