هويدا صالح
استقرَّت نبوية «العايقة» فى بيت «عبيد الديب»، القريب من وكالة المفتي، فى شارع «قصور البنات» على يمين القادمين من قِفط إلى القُصير، فى طريق يسلكه التجار منذ عصور قديمة.
كانت صبيةً يافعةً لم تتعدَّ الرابعة عشرة من عمرها حين ذاع صيتُها بين روَّاد بيت حسن البغل أشهر قوَّادى الموسكي، حتى صارت «المقطورة» الأهمَّ بين فتيات «البغل»، وحين صدر قرار الخديوى بإبعاد بيوت الدعارة خارج القاهرة لم تتخلَّ عن مهنتها، كما فعل الكثير من «المقطورات» اللاتى كُنَّ يعملنَ فى بيوت كلوت بك وبولاق والموسكي، بل رافقت البغل إلى الصعيد وظلَّت معه إلى أن أصبحت أُسطى بريمو فى مجالها، ونالت ألقاب «بدرونة» و«عايقة»، وتبعها الأثرياءُ والساسةُ الكبار الباحثون عن المتعة من القاهرة إلى قِفط.
وحين تعرَّفتْ لأول مرةٍ بالستِّ فريدة المُفتى كانت قد بلغت اثنينِ وثلاثين ربيعًا واستواءً ونضجًا لاذعًا.
تعرَّفت عليها فى ظرفٍ غير عادى مرَّت به نبوية، حين تعرضت لانتهاك جسدى من قبل أحد أمراء أسرة محمد علي، كان يأتى مُتخفيًا إلى بيت ««قصور البنات»، فقد راق لها اسم المنطقة وأطلقته على بيتها، وكان الأمير الشاب تحت سيطرة مزاج جنسى غريب يأتى به من قصر الحُكم فى القاهرة، ليجد مُتعته فى مشاهدة حارسه يمارس الجنس بعنف وساديَّة مع الفتاة التى يختارها فى كل مرة، ويجلس هو يتابع المُمارَسة بشغف، وكلما أوجع الحارسُ الفتاةَ التى يختارُها الأمير بنفسه، وعلتْ تأوُّهاتُها وصراخها الموجوع، شعر الأمير بانتشائه ليُغرق وجه الفتاة بقذفه المندفع بقوة.
كثيرًا ما اقتحمت نبويةُ خلوةَ الأمير وأنقذت الفتيات قبل أن تقضى عليهن سادية الأمير وحارسه؛ هذه الليلة أصرَّ أن تكون نبوية نفسها رفيقته، توقفت تمامًا عن الدخول مع الزبائن الحجرات الخاصة منذ أن صارت «بدرونة»، كانت فى مزاجٍ عكر بسبب أحد التجار، أغرى واحدةً من أفضل بناتها أن ترافقه إلى القاهرة، ربما لو كان مزاجها جيدًا لتمكَّنت من مفاوضة الأمير والتهرُّب منه بهدوء، كثيرًا ما حاول الأمير التمتع بجسدها الذى ما زال ضاجًّا بالغواية، لكنها كانت تمازحه وتمارس دلالها عليه حتى تقنعه بواحدة من جميلاتها الشهيات، لكنه فى تلك الليلة أصرَّ أن يختلى بها بعد أن رفض الفتاة التى أدخلتها إليه، لم يفلح دلالها فى أن يفلتها، أبعدت يده بحسم ونادت على «نادية» الشابة ابنة الثامنة عشرة التى انضمت إلى بناتها منذ شهور، غضب الأمير، وأمرَ حارسَه الشخصى أن يمزِّق جسدها بكرباجه السُّوداني، وقبل أن يلتفت الحارس ليلتقط الكرباج دفعتْ برُكبتها بين فخذيه، لم تُمهله فرصةً لاستكمال تأوُّهه، انفلتت من جوار جسده الضخم وهربت إلى الشارع لا تدرى إلى أين.
مستطيلُ الضوء الذى يخرجُ من لافتة وكالة السِّت فريدة فى ليل المدينة المُظلم يرتمى على تراب الشارع، إشارةً لها لتواصل خطواتها نحوه، وقفتْ متردِّدةً، استطال ظلُّها فى مدخل الوكالة، انتبه العجوز المُنكفئُ على الأجوِلة المرصوصة أمامَه يُحصيها، نظر إليها نظراتٍ لا تشى بشيء، ألقت عليه نبويةُ تحيةً بصوتٍ لم تسمعه أذناه الضَّعيفتان، فلم يُجبها، لا تزال عيناه تحملان نظرات الاستفهام والتوجُّس من دون أن تنطق شفتاه، تركته وانطلقت تجاه المرأة المُنكبَّة على دفتر على مكتب أبنوسى باهت تقلب فى دفتر أمامها حتى إنها لم تشعر بخطواتها، فجأةً رفعت عينيها كمَن يعود من رحلة بعيدةٍ فى الذاكرة، قالت لها:
- انتى مين يا خيتي؟ إزاى ماشية بخَلَجاتك دى فى الشارع؟
فريدة، الابنة الوحيدة لشهبندر تجَّار المدينة، لم تكن تعرف سوى نموذجين من النساء؛ نموذج أمها ابنة الشيخ الكيلانى أحد مشايخ الأزهر الكبار، الذين أيَّدوا مُحمد على فى حملته ضد المماليك الفارين إلى الصعيد، ونموذج عمتها التى توسَّعت فى التجارة هى ووالد فريدة بعد وفاة أبيهما.
وها هى ترى امرأةً مختلفةً بملابس كاشفة، وملامح وجه جريئة، لكنها تعودت ألَّا تتخلَّى عمَّن يلجأ إليها؛ لذا جلست تستمع إليها باهتمامٍ وهى تحكى ما فعله بها حارس الأمير، طمأنتها وأخبرتها أن الخديوى عباس حلمى نفسه لن يجرؤ على أن يُسيء إليها بكلمة وهى فى حماية عائلة «المفتي»، مضت ساعةٌ والمرأة تحكى حكاياتها المُدهشة عن عوالم لم تسمع عنها حفيدة المُفتي.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







