لوسيندا رايلي
أذكر بالضبط أين كنتُ، وماذا كنتُ أفعل عندما عرفت أنّ والدي قد مات كنتُ غارقة في أفكاري، أحدّق من نافذة الطائرة إلى سواد الليل الدامس في الأسفل، ومن حين إلى آخر، كانت تتلألأ عناقيد من الضوء، وكل ضوء ضئيل منها كان منزلًا يضمّ حياةً، أسرةً، ثلّةً من الأصدقاء...أشياء كثيرة كنت أشعر أنني حُرمت منها ولم تعدْ لي بعد الآن.
كنت كما لو أنني أرى العالم مقلوبًا رأسًا على عقب، إذ بدت الأضواء تحت الطائرة نسخًا شاحبةً للنجوم من فوقي أعادت هذه الرؤية إلى ذاكرتي ما قاله لي ذات مرّة أحد أساتذتي في كلية الفنون الجميلة. قال: «أنت ترسمين كما لو أنك غير قادرة على رؤية ما هو أمامك». كان محقًّا؛ لم أكنْ أستطيع.
كانت الصور تظهر في ذهني وليس في الواقع. في كثير من الأحيان، لم تكنْ تتخذ أشكالًا حيوانية، أو معدنية، أو حتّى بشرية، لكنها كانت قوية، وكنت أشعر أنها تفرض نفسها عليّ، ولا أقوى على التفلّت من سطوتها كتلك الكومة الكبيرة من النفايات التي جمعتها من مكبّات الخردة في جميع أنحاء لندن، وكدّستها في شقتي.

أنفقت أسابيع عدّة وأنا أحاول أن أعرف بالضبط كيفية جمع كلّ تلك القطع، بعضها مع بعض، في توليفة فنية مثالية كان ذلك أشبه بالعمل على مكعّب روبيك عملاق، على الرغم من أن المكوّنات الخام كانت تتألّف من صفيحة وقود كريهة الرائحة، وفزّاعة غاي فوكس قديمة، وإطار، ومعول معدنيّ صدئ. كنت لا أنفك أرتّب تلك الأجزاء في مكانها، سعيدةً بالنتيجة، إلى أن أضيف تلك القطعة الحيوية الأخيرة، التي ـ أينما كنت أضعها ـ تبدو دائمًا وكأنها تفسد العمل بأكمله وتشوّهه.
أسندت جبيني الحار إلى زجاج النافذة البارد، الذي كان كلّ ما يفصلني، ويفصل ركاب الطائرة الآخرين، عن الاختناق وموت محقّق.
يا لهشاشتنا وضعفنا أمام الخطر...
عاتبتُ نفسي التي أخذ الذعر يدبّ فيها مُحذّرةً نفسي: «لا، يا سيسي، يمكنكِ القيام بذلك من دونها، يمكنكِ حقًّا».
ولكي أطرد خوفي المتأصِّل من الطيران، أجبرت نفسي على العودة بأفكاري إلى پا سولت، إذ كان استحضار اللحظة التي بلغني فيها خبر وفاته مريحًا بشكل غريب إذا حدث الأسوأ، وهوت الطائرة من السماء، وقتلتنا جميعًا، فعلى الأقل، قد يكون پا هناك على الجانب الآخر، ينتظرني ففي النهاية، كان هو قد قام بهذه الرحلة، بمفرده، مثلنا جميعًا.
كنت أرتدي سروالي الجينز عندما جاءتني مكالمة من شقيقتي الصغرى تيغي تخبرني فيها بوفاة پا سولت الآن، عندما أستعيد تلك اللحظة، أوقن تمامًا أنني لم أستوعب ما قالته حقًّا كلّ ما كنت أفكّر فيه هو كيف أُخبر ستار، التي كانت تعشق والدنا كنت أعرف أنها قد تنهار كليًّا.
أنتِ أيضًا كنتِ تعشقينه يا سيسي...
أجل، كنتُ أعشقه. لكن أولويّتي كانت حماية شقيقتي الأضعف كانت في الواقع أكبر مني بثلاثة أشهر، لكنها كانت تعاني من صعوبة في التعبير، لذلك كنتُ دائمًا أتحدّث عوضًا عنها أقفلت قلبي ورفعت سحاب سروالي ودخلت إلى غرفة الجلوس لأُخبرها.
لم تقلْ شيئًا، بكتْ بين ذراعيّ فحسب. فعلتُ كلّ ما في وسعي كي لا أذرف دمعة واحدة من أجلها، من أجل ستار. كان عليّ أن أكون قوية، وكانت بحاجة إليّ...
في ذلك الحين...
«سيدتي، هل تحتاجين إلى شيء ما؟».
حطّت عليّ سحابة عطر مسكيّ وغمرتني رفعت عينيّ ورأيتُ المضيفة تنحني فوقي.
«أوه، لا شكرًا».
«لقد ضغطتِ على جرس النداء».
همسَتْ بذلك بشكل مبالغ فيه وهي تشير إلى باقي الركاب الذين كانوا جميعهم نيامًا. في الواقع، كانت الساعة الرابعة صباحًا بتوقيت لندن.
رفعتُ مرفقي المذنِب عن الزرّ الذي نبّهها وهمستُ بدوري: «آسفة».
كان ذلك نموذجيًّا أومأتْ لي بطريقة جعلتني أتذكّر إيماءة إحدى معلماتي، عندما ضبطتني أفتح عينيّ أثناء تلاوة صلاة الصباح في المدرسة ثمّ، ومع حفيف حريري، اختفت المضيفةُ عائدة إلى عرينها. بذلت قُصارى جهدي لأجد وضعية مريحة، وأغمضت عينيّ، متمنيةً الانضمام إلى الأربعمئة، أو نحو ذلك، من ركاب الطائرة الذين أفلحوا في الهرب من رعب الاندفاع في الهواء على متن أنبوب من الألومنيوم كالمعتاد، شعرتُ بالإقصاء، وعدم انتمائي إلى الحشد.
بالطبع، كنت أستطيع أن أحجز في درجة رجال الأعمال. كنت ما أزال أملك بعض المال الذي بقي من إرثي، لكنّه لم يكن بالقدر الكافي الذي يجعلني أرغب في تبديده على بضعة سنتيمترات إضافية، فقد أنفقت معظمه على شراء شقّة فخمة تطلّ على نهر التايمز لي ولستار ظننت أن بيتًا حقيقيًّا، هو ما كانت ترغب فيه وتتمنّاه، وأنه سيجعلها سعيدة، لكن ذلك لم يتحقّق.
مثلما حدث قبل عام، وجدت نفسي في الدرجة الاقتصادية، في طريقي إلى تايلاند. لكنّ ستار لم تكن تجلس بجانبي هذه المرة، ولم أكن أذهب إلى الجانب الآخر من العالم رغبةً في السفر. كنت أهرب.
«هل ترغبين في تناول الإفطار يا سيدتي؟».
ناعسةً شبه دائخة، فتحت عينيّ وحدّقت إلى المضيفة نفسها، تلك التي زارتني في منتصف الليل كانت جميع أضواء المقصورة مضاءة وبعض ستائر النوافذ مفتوحة على الفجر الطالع بلونه الوردي.
«لا شكرًا، قهوة فقط. لو سمحتِ».
أومأتْ برأسها وانسحبتْ، وتساءلتُ لماذا كنت أشعر بالذنب عندما أطلب أيّ شيء، مع أنني كنت أدفع ثمن هذه التجربة.
«إلى أين وجهتكِ؟».
التفتُّ إلى جاري، الذي لم أكن قد رأيته إلا جانبيًّا، مجرّد أنف ونصف فم وخصلة شعرٍ شقراء تتدلّى من تحت غطاء رأس أسود الآن، كان أمامي بالكامل، ويحدّق إلى وجهي ربما لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة، ولا تزال آثار حب الشباب بادية على ذقنه وجبهته. بجانبه، شعرت فجأة وكأنني في سن التقاعد.
«بانكوك، ثمّ إلى أستراليا».
علّق قائلًا: «رائع!»، وهو يلتهم محتوى طبقه المثالي للسجون: بيض مخفوق غير صالح للأكل، شرائح مقلية أكثر مما يلزم من لحم الخنزير المقدّد، وشيء وردي طويل يتنكّر على شكل نقانق. ثمّ أضاف: «سأذهب إلى أستراليا ذات يوم، لكنني سأزور تايلاند أولًا. لقد قيل لي إن حفلات اكتمال القمر شيء رائع».
«وهي كذلك».
«هل سبق لكِ أن حضرتِ إحداها؟».
أجبته: «مرّات عدّة».
وعلى الفور، أيقظ سؤاله جملة من الذكريات في ذهني.
«أيّ حفلة تقترحين؟ سمعت أن كو فا نغان هي الأفضل».
«لقد مرّ وقت طويل منذ المرة الأخيرة التي ذهبت فيها إلى هناك لكنني سمعت أنها أصبحت شعبية جدًّا، وتستقطب ما يزيد على ألفي شخص تقريبًا لكنّ مكاني المفضّل هو شاطئ رايلاي في كرابي. الجو بارد هناك، وهذا يتوقّف على ما تبحث عنه بالطبع».
قال وهو يمضغ النقانق: «سأنضمّ إلى رفاقي في بانكوك. لن يكتمل القمر قبل أسبوعين، ولدينا الوقت الكافي لنقرّر أين سنذهب. هل تذهبين إلى أستراليا لرؤية الأصدقاء؟».
«نعم». كذبتُ.
«هل ستتوقفين في بانكوك لبعض الوقت؟».
«الليلة فقط». شعرت بانفعاله وحماسته عندما بدأت الطائرة بالهبوط في مطار سوڤارنابومي، وراحت المضيفة تتلو التعليمات المعتادة علينا نحن الأسرى يا لها من مزحة، حقًّا، هكذا قلت في نفسي وأنا أغمض عينيّ وأحاول تهدئة قلبي المضطرب إذا تحطّمت الطائرة، سنموت جميعًا على الفور، سواء كانت الألواح المثبتة على ظهور المقاعد في وضع مستقيم أم لا أفترض أنه كان عليهم أن يقولوا هذه الأشياء لتهدئتنا والتخفيف من قلقنا.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







