صلاح عيسى
مصدر هذا الخبر هو الدكتور بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة، وقد رواه للدكتورة منى مكرم عبيد، الأستاذة الجامعية وعضو مجلس الشورى المصري، التى التقت به منذ أسابيع أثناء مشاركتها فى اجتماع لإحدى منظمات الأمم المتحدة.
والخبر يقول إن المسؤولين فى حكومة جزر سيشل وهى مجموعة من الجزرالبركانية تقع بالمحيط الهندى — يريدون أن يتبرعوا للحكومة المصرية بمنزل كان مخصصًا لإقامة الزعيم سعد زغلول عندما نفاه القائد العام لقوات حضرة صاحب الجلالة البريطانية فى مصر إلى هناك.
وكان سعد زغلول — آنذاك — فى الثانية والستين من عمره، رجلًا عجوزًا مريضًا، يعانى من آلام فى المعدة وروماتيزم فى المفاصل، وارتفاع فى نسبة السكر وفى ضغط الدم، ولم يكن قد مضى على عودته إلى مصر بعد عامين من النفى والغربة سوى سبعة أشهر.

وتصور كثيرون أنه سيعود ليهدأ ويستكين، ويكف عن الشغب، ويستريح، ويعتكف ليعالج أمراض شيخوخته، ويمضى ما تبقى له من العمر بعيدًا عما يرفع الضغط ويزيد السكر ويفاقم آلام الروماتيزم. ولعله هو نفسه كان يفكر فى شيء من ذلك بعد أن أوصد مؤتمر الصلح أبوابه أمامه، وعجز الرئيس الأميركى الرومانسى ولسن عن تنفيذ الوعود التى دخلت أميركا على أساسها الحرب بمنح شعوب المستعمرات حق تقرير المصير.
لكن سعد زغلول، ما كاد يجد نفسه وسط جحافل البشر التى احتشدت من كل مكان فى مصر لاستقباله، وما كاد يشعر بدفء عواطفهم وتوهج حماسهم، حتى تحسنت صحته، واستعاد حيويته وثقته فى نفسه وفى وطنه، فاندفع بنشاط شاب فى العشرين، يخطب فى الشوارع، ويطوف بالقرى، ويعقد المؤتمرات، ويصدر البيانات، ويدير معارك الرأي، ويحشد الناس ويعينهم وينظمهم، ويحرضهم ضد برادع الإنجليز، الذين يتأمرون لكى يتفاوضوا مع المحتلين بعيدًا عن مشاركة ورقابة الممثلين الشرعيين للأمة، لكى يعترفوا بشرعية الاحتلال، ويسلموه البضاعة، وبذلك تنتهى القضية وينفض مولد الاستقلال.
وضاق الإنجليز وبرادعهم بنشاط سعد، الذى أشعل ثورة ۱۹۱۹ من جديد، فوجه إليه الفيلد مارشال إدموند اللنبي، المندوب السامى البريطانى والقائد العام لقوات صاحب الجلالة البريطانية فى مصر، إنذارًا بالكف عن الاشتغال بالسياسة ومغادرة العاصمة إلى ضيعته فى الريف ليقيم تحت رقابة الشرطة. فرفض سعد وأرسل إليه خطابًا عنيفًا، قال له فى نهايته: «إننى موكل من قبل الأمة للسعى فى استقلالها، فليس لغيرها سلطة تخلينى من القيام بهذا الواجب المقدس، لهذا سأبقى فى مركزى مخلصًا لواجبي.. وللقوة أن تفعل بنا ما تشاء أفرادًا.. وجماعات.»
وفى صباح اليوم التالى — الجمعة ٢٣ ديسمبر ۱۹۲۱ — أحاطت فرقة من قوات جيش الاحتلال بيت سعد زغلول واعتقلته، كما اعتقلت فى اليوم نفسه خمسة آخرين من قادة الحركة الوطنية هم: فتح الله بركات، وعاطف بركات، ومصطفى النحاس، ومكرم عبيد وفى ٢٩ ديسمبر نقلهم طراد عسكرى بريطانى إلى عدن، فأمضوا بها ثلاث شهور، نقلوا بعدها إلى جزر سيشل.
وفى جزيرة «ماهي»، أكبر تلك الجزر، أمضى سعد زغلول خمسة شهور، مرض خلالها، فأحاط به زملاؤه يطببونه ويرعونه، ويحنون على شيخوخته، إلى أن نُقل إلى جبل طارق، وظل زملاؤه يقيمون بسيشل. وخلال تلك الفترة كان قرار نفيه قد أشعل الثورة من جديد، مما اضطر البريطانيين إلى إلغاء الحماية البريطانية على مصر والاعتراف لها بالاستقلال الذاتي، وإلى الإفراج عن سعد زغلول فى مارس ۱۹۲۳ وعن رفاقه فى مايو من نفس العام.
تلك هى قصة البيت الذى أبَت حكومة سيشل أن تهدمه واحتفظت به بعد أن أدركت أنه جزء من التاريخ العربى المصري، لا يجوز لها أن تفرط فيه قبل أن تعرضه على الذين يهمهم أمره، وتعنيهم ذكرياته، لأنها كانت تشترك معنا فى نفس الهم، إذ كانت هى الأخرى مستعمرة بريطانية.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







