المفكر والرسام وصانع الكتب

الصور المنشورة فى الملف بإذن خاص من الفنان أحمد اللباد
الصور المنشورة فى الملف بإذن خاص من الفنان أحمد اللباد


محمد سيف 


عندما غادرنا المفكر والفنان الفذ محيى الدين اللباد، لم يترك الرجل مكاناً شاغراً فى ثقافتنا المصرية فحسب، بل فى عموم الثقافة والصحافة العربية، التى عمل بها ومعها، من داخل مصر وخارجها.

وهو فراغ شبيه بالفراغ الذى خلفه بالمهرجان السنوى الذى كان ينعقد ببلدة (أنجولم) الفرنسية لرسامى الكاريكاتير العالميين، وبالمؤتمرات والاحتفاليات التى كانت تقام للآداب والفنون فى أنحاء كثيرة من العالم وقد كان بلا شك نجماً من نجوم الصحافة المقروءة، وأحد أعمدة تطوير النشر، بإخراجه المتميز للكتب والألبومات للمكتبة العربية بأرففها العديدة.

كان محيى الدين اللباد صاحب ثقافة رفيعة ورؤية فكرية متقدمة، أهّلته لأن يعالج فى جهوده الإبداعية أوضاع إنسانيتنا الضائعة فى أزمنة الصراعات، بفعل التغيرات الناشئة عن تقلبات السياسة وتراجع القيم التى كانت محل اتفاق فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وبإمكان القارئ العودة إلى إنتاجه الغزير، الذى شارك به مع نجوم فن الكاريكاتير من جيله ومواضيعه التى صاغها بالمنشورات التى أبدعها على غرار «نظر» و«كشكول الرسام» و«تاريخ الكاريكاتير العالمي»، وكتب الأطفال والبالغين... إلخ.

فى مواضيعه التى احتوتها كتبه التى تحمل عنوان «نظر»، قدم الفنان رؤية لتاريخ العالم الحديث عبر الكاريكاتير، كما عرض لعلاقات الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، مستعرضاً رؤى فنانى الكاريكاتير فى زمن الاستعمار، ثم فى زمن الثورة الروسية وحقبة النازية، وصولاً إلى أيامنا المعاصرة لنشهد إبداعات الفنانين الجزائريين، وانعكاس الواقع على فن الكاريكاتير إبان حروب الشرق الأوسط حتى حرب العراق، لنجد أنفسنا أمام بانوراما شاملة لهذه الحقبة من التاريخ الإنسانى والاجتماعي، لنقف على ما عاشته الإنسانية فى سنوات الحرب الباردة وما تلاها.

كما تناول الفنان فى هذه الألبومات مسألة خلو المكتبة العربية من أعمال الكاريكاتير، وغياب الذاكرة البصرية، معبراً عما تعانيه مكتبتنا من إهمال وعدم اهتمام رغم احتفائه - بطبيعة الحال - بأى منجز يساعد فى ملء هذا الفراغ، سواء عند متابعته لظاهرة كاريكاتورية ما، أو لكتاب يضم أعمالاً مرسومة لفنان، سواء أكان مصرياً أم عربياً أم عالمياً، مقدراً لكل عمل قيمته، وشارحاً للعناصر التشكيلية والاجتماعية والسياسية التى يتضمنها.

كما كان متابعاً شديد الرهافة لجيله وأصدقائه من الرسامين والكتاب والشعراء، وهى متابعة تضمنت عروضاً لأعمالهم، ووجهات نظرهم فيما يحدث فى الواقع، فنجد فيها صوراً للفنان بهجت، والفنانين صلاح جاهين وعبد السميع وحجازي، والبهجوري، وإيهاب والليثى وآخرين.. وجميعهم سطروا علامات بارزة فى الإبداع النقدى البصري، وقدموا صوراً واضحة للأحوال الاجتماعية والثقافية للشعب المصرى فى تلك السنوات؛ لتظل سيرتهم تعاند الزمن والتغيرات التى طرأت على المجتمع عندنا، وهذا بأكمله جمعه محيى الدين اللباد وطبق عليه وحفظه ضد ما يمحو الذاكرة من تقلبات عاشتها بلادنا، وعاشها العالم عبر عقود خلت.

ومع اهتمام اللباد بفن الكاريكاتير وفنانيه، وبفن الجرافيك والرؤية البصرية للأعمال المنشورة، كان اهتمامه واضحاً بكتابنا ومثقفينا المعاصرين.. وبخاصة من حقبة الستينيات وما تلاها، ونلمس ذلك من تعبيره عن إعجابه وصداقته القوية للكاتب والناشر الفذ عبد الفتاح الجمل، أو كما ندعوه جميعاً بعراب جيل الستينيات، فهو الرجل والأديب الذى لعب دوراً تاريخياً فى تقديم الموهوبين من شباب الكتاب والنقاد والفنانين فى تلك الفترة فى كل مجالات الإبداع، وذلك عبر إشرافه على الصفحة الأدبية لجريدة "المساء".. كما كان هو بذاته أميناً له مكانته فى قلوب وعقول متابعيه عبر رواياته كـ «محب» التى أشرف اللباد على إخراجها وإصدارها... وغيرها الكثير.

محيى الدين اللباد - إذن - يمثل أحد الأعمدة الأساسية من مبدعى جيل الستينيات.. ونحن فى أشد الحاجة لأن تظل أعماله قيد الحضور.. وذلك عبر إعادة نشرها كلها، لتأخذ مكانها المرموق بأرفف مكتبتنا العربية، سواء أكانت أعمالاً للبالغين أم للأطفال، لتواصل إسهامها فى نهضة هذه المكتبة وتعمل على تطويرها من أجل المستقبل.

وقد شاءت الظروف لى أن أشرف بالعمل معه - وأنا أحد معجبيه - عندما تشاركنا فى تحرير وإصدار مجلة "الإنساني" عندما أنشأتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر فى أواخر التسعينيات.. وهى المجلة التى أسهم اللباد بخبرته وقدراته فى بعث روحها، وإضفاء نموذج لشكلها، وأيضاً تسميتها بـ "الإنساني"، وهو الاسم الذى كان البعض يتوجس من عدم جاذبيته، ومن تناوله لموضوع أساسى يعد جافاً وغريباً عن ميول الصحافة السيارة بشكل عام، وهو موضوع الحروب وأهوالها، وأحوال الناس فى مواجهة الهمجية، وكذلك لانتهاجها على هذا النحو خط الدفاع عن القانون الدولى الإنسانى وحقوق الإنسان.

وعبر ما يربو على الأربعين عدداً الأولى من «الإنساني»، تجلت عبقرية الفنان، كما تجلت شخصيته، فكانت دقة مراجعته للمواضيع التى ننشرها، وخبرته فى تبويبها واختيار الصور والرسوم المصاحبة، كما انعكس ذوقه الرفيع فى عرض الأهمية وإبراز العناوين، والاهتمام مع التحرير بتوازن الجمع بين ما هو ثقافى وما هو إخباري؛ الأمر الذى جعل من المجلة منبراً لنشر الأدب المعبر عن تجارب الشعوب وتاريخ مسارات الصراعات، وعرض القوانين الدولية ووصايا الحكماء.

أضف إلى ذلك أنه ما من تغطية إعلامية قمنا بها فى بلد من البلدان إلا وكان اللباد يوصى علينا معارفه فى هذا البلد، الأمر الذى مكننا من إصدار أعداد غير ناطقة بالعربية كالإنجليزية والفارسية، فقد كانت له صلاته التى ساعدتنا، والتى كونها بفضل موهبته الفريدة، وثقافته العابرة للحدود.