بينما تزدحم ممرات معرض الكتاب اليوم بآلاف الزوار الذين يتصفحون أحدث الإصدارات في هدوء وطمأنينة، حيث تفوح رائحة الورق الجديد لتختلط بعبق الروايات القديمة والمقتنيات التاريخية، نعتبر اقتناء كتاب مجرد رفاهية أو هواية، تغذي حب القراءة، ولكن ماذا لو وقعت الكتب في مأزق هدد وجودها.. كم من قارئ سيكون لديه الشجاعة لإنقاذها؟

في ربيع عام 2003، وبينما كانت طبول الحرب تقرع بعنف في أرجاء البصرة خلال الغزو الأمريكي للعراق، لم تكن عالية محمد باقر تبحث عن طوق نجاة لنفسها، بل كانت تسابق الثمن لإنقاذ «روح» محبوسة بين الأوراق، هذه هي حكاية أمينة المكتبة التي لم تكتف بقراءة الكتب، بل كانت الحامي لها من الفناء.
سمعت عالية نبأ احتراق مكتبة البصرة، حيث التهمت النيران أكثر من 50 ألف كتاب من كل الأصناف والأنواع، منها مخطوطات نادرة وثمينة تحول معظمها إلى كومة رماد، ومع كل صفحة تأكلها النيران التي أشعلها الاحتلال متعمداً كانت حضارة العراق تطمس وتاريخها يدفن أمام مرأى ومسمع من الجميع، وعندما وصلها نبأ احتراق المكتبة سقطت مغشية عليها وكادت تفقد حياتها إثر نوبة قلبية حادة لكنها قاومت الموت لإنقاذ حياة آلاف الكتب.
على مدار 9 أيام، تحول منزل عالية محمد باقر، الشجاعة التي أبت إلا أن تضحي بنفسها ومالها من أجل إنقاذ ما تبقى من الكتب والمخطوطات النادرة، والمطعم المجاور لها، لحصن منيع لحماية الكتب، فقامت بالمخاطرة بنفسها لنقل الكتب إلى مكان آمن لحمايتها، بعد أن أدركت يقينا أن بقاء هذه الكتب في المكتبة يعني الحكم عليها بالاحتراق.
وتمكنت عالية محمد من إنقاذ أكثر من 30 ألف كتاب بما في ذلك مخطوط كتاب سيرة محمد عليه الصلاة والسلام، والذي يعود تاريخه إلى حوالي 1300 سنة، حيث طلبت من محافظ البصرة وقتها بالسماح لها بنقل الكتب إلى مكان آمن خوفاً من إتلافها بعد اجتياح القوات الأمريكية والبريطانية للبصرة وهروب الموظفين والجنود المكلفين بالحراسة، لكنه رفض في موقف غريب منه، إلا أن عالية أصرت على ذلك لتقوم بمعية سكان الحي باستئجار شاحنة كبيرة ونقل الكتب ملفوفة في الستائر ومعبأة في الصناديق إلى مطعم مجاور حيث نجحت في نقل حوالي 70 في المائة من محتويات المكتبة قبل أن تحترق بعد ذلك بشكل كامل في حادثٍ غامض لتندثر الكتب المتبقية.

وبعد أن عاد بصيص الحياة للبصرة قامت عالية محمد بإعادة الكتب إلى موطنها الأصلي في المكتبة، لتكتب اسمها خالداً في صفحات التاريخ كسيدة عظيمة أنقذت تراث بلدها من الاندثار
وأعيد بناء المكتبة من طرف الجمعيات والمنظمات الإنسانية الدولية التي وصلتها عبر الجرائد قصة عالية محمد فقامت بجمع الأموال والتبرعات وتعاطفت بشكل كبير مع تضحيتها لإنقاذ تراث بلدها فتمَ توظيف هذه الأموال والهبات لإعادة بناء المكتبة من جديد وفتحها في أكتوبر 2004 لتعود عالية محمد إلى منصبها أمينة المكتبة.

عربة عمرها 3 آلاف عام ما زالت تحير العلماء.. ما سر عربة يويا؟
"خبيئة بانحسي".. حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس
حكاية الأواني الملونة.. فن يروي أناقة مصر القديمة






