رأى

المستشار طاهر الخولي يكتب: «آلهة الدم».. موسوعة تحليلية دينية لفهم ظاهرة الإرهاب

المستشار طاهر الخولي
المستشار طاهر الخولي


أدرك تمامًا أن عنوان موسوعتى الجديدة «آلهة الدم»، المعروضة فى الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولى للكتاب بجناح مؤسسة الأهرام، قد يُثير دهشة القارئ وربما يربكه: لماذا «آلهة الدم»؟

قد يبدو عنوان موسوعة «آلهة الدم» صادمًا ومربكًا للوهلة الأولى، لكن خلف هذا العنوان لا تكمن دعوة لاستحضار الدم أو تمجيد العنف، بل هى محاولة فكرية جادة لفهم كيف صُنعت آلهة زائفة، وكيف تحوّل القتل من جريمة تُدان إلى «حق» يُبرر، ومن فعل إجرامى إلى عقيدة تُدرس وتُسوق.

صدور هذه الموسوعة فى توقيت بالغ الأهمية ليس مصادفة؛ فالإرهاب لم يعد مجرد عمل عنيف مكروه، بل أصبح خطابًا منظمًا وفكرة تُجند العقول قبل الأجساد، وتقدس الدم تحت مسميات زائفة.

لطالما راودنى سؤال جوهري: ما هو الإرهاب من منظور تاريخى وقانونى وإنسانى وفكري؟ وبوصفى قارئًا متعمقًا، وقانونيًا ممارسًا، ومحققًا فى أخطر قضايا الإرهاب وقادته فى مصر، وجدت نفسى أمام مسئولية تتجاوز حدود المهنة إلى واجب فكرى وأخلاقي.

ومن هنا جاء موسوعة «آلهة الدم»، فى 4 أجزاء، محاولة لتقديم قراءة شاملة لظاهرة الإرهاب من زواياها المتعددة: التاريخية، الفكرية، القانونية، الإنسانية.

هذه الموسوعة لا تكتفى بسرد وقائع الدماء، بل تسعى إلى تفكيك منطقها، ولا تلاحق السلاح بل تُحاكم الفكرة التى تبرره، وتبدأ بالسؤال الجوهري: كيف يولد الإرهابي؟ وتعود إلى الجذور الأولى للظاهرة، مؤكدًة أن الإرهاب ليس وليد لحظة، ولا حكرًا على دين أو ثقافة بعينها، بل ظاهرة إنسانية مركبة عرفتها المجتمعات عبر التاريخ. 

كما تتناول الموسوعة مفهوم الإرهاب تعريفًا لغويًا واصطلاحيًا، وتستعرض الاتجاهات الفقهية والقانونية المتعددة فى تحديده، مع تفكيك الخلط المتعمد بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، إذ أن حق الشعوب فى مقاومة الاحتلال مبدأ أصيل فى القانون الدولى لا يجوز مصادرته أو تشويهه تحت أى ذريعة.

وفى البعد الإيدلوجي، تكشف الموسوعة كيف تُقتطع النصوص الدينية أو الفكرية من سياقها الأخلاقى والإنسانى لتُحول إلى أدوات تقديس للعنف وتبرير للقتل، مؤكدة أن المشكلة ليست فى النص ذاته، بل فيمن يحتكره ويُفسره لخدمة مشروع دموي.

وفى هذا السياق، خصصت مساحة تحليلية لكيفية توظيف الصهيونية للنصوص الدينية لتبرير الإرهاب والعدوان، خصوصًا فى السياق الفلسطينى، باعتبارها نموذجًا صارخًا لتسييس العقيدة وتحويلها إلى أداة قتل ممنهجة.

 كما تدخل الموسوعة إلى ساحة القانون الدولي، فتناقش الأطر التشريعية لمكافحة الإرهاب، وتطرح سؤالًا حاسمًا: هل تكفى الحلول الأمنية وحدها؟ لتأتى الإجابة واضحة: لا.. فالمواجهة الفعالة للإرهاب تتطلب فهمًا عميقًا للجذور الفكرية والاجتماعية والسياسية التى تنتجه، مع الالتزام الصارم بمبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون، حتى لا تتحول الحرب على الإرهاب إلى ذريعة لانتهاك القيم التى يُفترض الدفاع عنها.

فالجماعات الإرهابية، قديمًا وحديثًا، تشترك فى نزعة تقديس الذات واحتكار الحقيقة وادعاء التفويض الإلهى أو التاريخي، وهو ما يجعل العنف لديهًا فعلًا مقدسًا لا يقبل المراجعة ولا المحاسبة، وهكذا يصبح القتل طقسًا، والدم لغة، والضحايا مجرد أرقام أو وسائل لتحقيق غاية متوهمة.

إن معركة الإنسانية مع الإرهاب هى فى جوهرها معركة وعى قبل أن تكون معركة أمن، وهزيمة «آلهة الدم» لا تتحقق بالقوة وحدها، بل بكشف زيفها وتعريتها فكريًا، ونزع القداسة عن العنف، وإعادة الاعتبار لمعنى الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة، وحياة لا مشروع موت، فالموسوعة لا تقدم إجابات جاهزة، لكنها تفتح باب التفكير، وتضع القارئ أمام مسئولية الفهم قبل الإدانة، والوعى قبل السلاح.