أوراق شخصية

د. آمال عثمان تكتب: الورق خارج الخدمة

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


لم يكن «كارت الجوازات» مجرد ورقة عابرة فى جيب مسافر، بل طقس إجبارى من طقوس المعاناة التى عاشها ملايين المصريين والأجانب فى مطارات مصر؛ ورقة صغيرة تختصر تاريخًا طويلًا من الزحام، دقائق تتحول إلى ساعات، وصفوف تمتد بلا نهاية، وأقلام تُستعار على عجل لملء بيانات مكررة فى زمن لم يعد يعترف بالورق.
 

وأخيرًا، فى خطوة تحمل من الدلالة أكثر مما تحمل من الإجراء، يُعلن رسميًا خروج الورق من الخدمة، ليُسدل الستار على واحد من أكثر مظاهر البيروقراطية إنهاكًا فى قطاع الطيران.

إلغاء «كارت الجوازات» الورقى للقادمين والمغادرين، ودخوله حيز التنفيذ الفعلى نهاية الشهر الجاري، خطوة طال انتظارها، تُغلق صفحة أنهكت المسافر، وتفتح نافذة على منطق مختلف فى إدارة المطارات: منطق السرعة، والثقة فى البيانات، واحترام الوقت.

القرار فى جوهره لا يقتصر على كونه إجراءً إداريًا، بل يحمل دلالة سياسية ومؤسسية تعكس وعيًا -ولو متأخرًا- بأن تجربة المسافر هى أول اختبار حقيقى لصورة الدولة.

أن تقف فى طابور طويل لتملأ بيانات محفوظة أصلًا فى جواز سفرك، فهذا ليس إجراءً أمنيًا بقدر ما هو عبء إداري. ومن هنا، يصبح الاعتماد الكامل على المنظومة الرقمية -التى أكد سامح الحنفي، وزير الطيران المدني، جاهزيتها- تحولًا نوعيًا لا مجرد تحديث تقني. منظومة تتيح إدخال المعلومات مسبقًا عبر المنصات الإلكترونية أو شركات الطيران، بما يسمح بمراجعتها قبل الوصول، وتسريع إجراءات الدخول والخروج، بالتنسيق مع الجهات الأمنية. هكذا تنتقل الرقابة من الورقة إلى النظام، ومن الطابور إلى الشاشة، دون أن تمس هيبة الدولة أو دقة الإجراءات.

وتتضاعف أهمية القرار إذا علمنا أن مطار القاهرة الدولى يستقبل أحيانًا أكثر من مئة ألف مسافر يوميًا، و«كارت الجوازات» هو أحد أبرز أسباب الاختناق البشرى والزمني.

سنوات من الشكاوى والمطالبات البرلمانية تُوِّجت أخيرًا بقرار يستحق الإشادة. ولا يتوقف التطوير عند إلغاء الكارت، بل يمتد إلى حزمة تسهيلات تشمل توسيع خدمات التأشيرة الإلكترونية والفورية، وزيادة عدد الكاونترات، وتسريع إجراءات استلام الأمتعة؛ تفاصيل تبدو تقنية، لكنها تصنع الفارق بين مطار يُحتمل ومطار يُحترم.

إلغاء «كارت الجوازات» فى المطارات ليس مجرد نهاية ورقة، بل انتصار للتكنولوجيا على العشوائية، وللعقل المؤسسى على الإرث الورقي، ورسالة واضحة بأن مصر قادرة على أن تجعل من مطاراتها بوابات ترحيب، لا ساحات اختبار للصبر. خطوة فى الاتجاه الصحيح، نأمل أن تليها خطوات.