تساءلت يومًا لماذا إصرار وسعى موسى لبلوغ المكان الذى سيلاقى فيه الخضر ؟، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ «الكهف:60».. إن قصة الخضر من قصص القرآن الكريم التى تبعث انشراحًا للصدر وطمأنينة للقلب.. ويتساءل كثيرون: مَن الذى جعله الله أكثر علمًا وحكمة ورحمة من نبى مرسل؟!.
إن قصة سيدنا موسى والعبد الصالح تتعلق بعلم ليس هو علمنا القائم على الأسباب، وليس هو علم الأنبياء القائم على الوحى، إنما هى قصة من علم القدر الأعلى، علم أُسدلت عليه الأستار، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾ «الكهف:65».. فهذا اللقاء كان استثنائيا لأنه يجيب عن أصعب سؤال يدور فى النفس البشرية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها: لماذا خلق الله الشرّ والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟، ولماذا يموت الأطفال؟، وكيف يعمل القدر؟.
البعض يذهب إلى أن العبد الصالح لم يكن إلا تجسيدًا للقدر المتكلم لعله يرشدنا، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ «الكهف:65».. أهم مواصفات القدر المتكلم أنه رحيم عليم، أى أن الرحمة سبقت العلم.
فقال النبى البشر «موسى»: قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ «الكهف:66».. يرد القدر المتكلم «الخضر»: قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ «الكهف:67»، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ «الكهف:68».. يرد موسى بكل فضول البشر: قال تعالى: ﴿سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ «الكهف:69».. هنا تبدأ الرحلة، حيث يركبا قارب المساكين فيخرق الخضر القارب، مما جعل «موسى» يعاتب «الخضر»، قائلًا: قال تعالى: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ «الكهف:71».. يرد «الخضر»: قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ «الكهف:75».. ثم يمضيا بعد تعهد جديد من موسى بالصبر، ويقوم الخضر بقتل الغلام ويمضى، فيزداد غضب موسى ويُعاتب الخضر، «تحول من إمرًا إلى نكرًا»: قال تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ «الكهف:74».. ويؤكد له الخضر مرة أخرى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ «الكهف:75».. ثم يمضيا بعد تعهد أخير من موسى كليم الله بأن يصمت ولا يسأل، فيذهبان إلى القرية فيبنى الخضر الجدار ليحمى كنز اليتامى، وينفجر غضب موسى، فيجيبه «الخضر»: قال تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ «الكهف:78».. هنا تتجلى حكمة الله، التى لن نفهم بعضها حتى يوم القيامة، فالشر نسبى، ومفهومنا عنه قاصر، لأننا لا نرى الصور الكاملة.
للقدر أنواع ثلاث: الأول: شرًّا تراه فتحسبه شرًّا، فيكشفه الله لك أنه كان خيرًا.. وآخر: تحسبه شرًّا، ولن يكشفه الله لك طوال حياتك، لكنه فى الحقيقة خير، قال تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ «الكهف:80».. أما الثالث: هو الأهم، الشر الذى يصرفه الله عنك دون أن تدرى، إنه لطف الله.
لنتدبر، ولنستعن بلطف الله الخفى حتى نصبر على أقداره التى لا نفهمها، ولنطمئن بأن جميعها خير، ولنتسق مع ذاتنا متصالحين موقنين بأنها من عند الله، ونحمد الله على كل حال.. ولنثق بالله ونكثر من الدعاء والاستغفار والذكر والصلاة على نبينا محمد ، حتى ييسر الله لنا سُبل الخلاص من آلامنا وعثراتنا.. ولندعُ الله، بأن يحفظ مصرنا الغالية، ويقينا شرور الأعداء والحاقدين.. ولندعُ الله، بأن يحفظ شعب فلسطين وينصره على غطرسة الكيان المحتل وحلفائه، ويقيه شرورهم، وينصره فى مقاومته ضد الكيان المحتل إحقاقًا للعدل.
حفظ الله المحروسة شعبًا وقيادة، والله غالب على أمره.. وتحيا مصر.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







