خواطر الشعراوى| الصدقة لا تنقص المال

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: وإذا ما وُجد فى إنسان قوة وفى آخر ضعف؛ فالضعيف لا يحقد وإنما يقول: إن خير غيرى يصلني، وكذلك يطمئن الواهب أنه إن عجز فى يوم ما سيجد من يكفله والقدرة أغيار ما دام الإنسان من الأغيار، فقد يكون قوياً اليوم ضعيفًا غدًا.

إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ هو قانون يريد به الله أن يحارب الشح فى نفس المخلوقين، إنه يقول لكل منا: انظر النظرة الواعية؛ فالأرض لا تنقص من مخزنك حين تعطيها كيلة من القمح! صحيح أنك أنقصت كيلة من مخزنك لتزرعها، ولكنك تتوقع أن تأخذ من الأرض أضعافها، وإياك أن تظن أن ما تعطيه الأرض يكون لك فيه ثقة، وما يعطيه الله لا ثقة لك فيه، ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ إن الآية تعالج الشح، وتؤكد أن الصدقة لا تنقص ما عند الإنسان بل ستزيده، وبعد ذلك يقول تعالى: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى ...﴾. إنها لقطة أخرى يوضح فيها الحق: إياك حين تنفق مالك فى سبيل الله وأنت طامع فى عطاء الله أن تمن على من تعطيه أو تؤذيه، والمنّ هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه أوجب عليه حقا له وأنه أصبح صاحب فضل عليه، وكما يقولون فى الريف (تعاير بها)، والشاعر يقول:

وإنّ امرَأً أسدى إليّ صنيعة .. وذكَّرنيها مَرَّةً للئيم

ولذلك فمن الأدب الإيمانى فى الإنسان أن ينسى أنه أهدى وينسى أنه أنفق، ولا يطلع أحدًا من ذويه على إحسانه على الفقير أو تصدقه عليه وخاصة الصغار الذين لا يفهمون منطق الله فى الأشياء، فعندما يعرف ابنى أننى أعطى لجارى كذا، ربما دلّ ابنى وَمَنّ على ابن جاري، ربما أخذه غروره فعيّره هو، ولا يمكن أن يقدر هذا الأمر إلا مُكَلَّفٌ يعرف الحكم بحيثيته من الله.

إن الحق يوضح لنا: إياك أن تتبع النفقة منّا أو أذى؛ لأنك إن أتبعتها بالمنّ ماذا يكون الموقف؟ يكرهها المُعْطَى الذى تصدقت بها عليه ويتولد عنده حقد، ويتولد عنده بغض، ولذلك حينما قالوا: «اتق شر من أحسنت إليه» شرحوا ذلك بأن اتقاء شر ذلك الإنسان بألا تذكره بالإحسان، وإياك أن تذكره بالإحسان؛ لأن ذلك يولد عنده حقدًا.

ولذلك تجد كثيرا من الناس يقولون: كم صنعت بفلان وفلان الجميل، هذا كذا وهذا كذا، ثم خرجوا عليّ فانكروه، وأقول لكل من يقول ذلك: ما دمت تتذكر ما أسديته إليهم فمن العدالة من الله أن ينكروه، ولو أنك عاملت الله لما أنكروه، فما دمت لم تعامل الله، فإنك تقابل بنكران ما أنفقت.

فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسخى بالآية الأولى قلب المنفق ليبسط يده بالنفقة، لذلك قال: ﴿ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .

فالحق سبحانه وتعالى طمأننا فى الآية الأولى على أن الصدقة والنفقة لا تنقص المال بل تزيده، وضرب لنا الحق سبحانه المثل بالأرض التى تؤتينا بدل الحبة الواحدة سبعمائة حبة، ثم يوضح الحق لنا أن آفة الإنفاق أن يكون مصحوبًا ب «المنّ» أو «الأذى»؛ لأن ذلك يفسد قضية الاستطراق الصفائى فى الضعفاء والعاجزين، ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ «البقرة: ٢٦٢».

انظر إلى الدقة الأدائية فى قوله الكريم: ﴿ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى﴾، قد يستقيم الكلام لو جاء كالآتي: «الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى»، لكن الحق سبحانه قد جاء ب «ثم» هنا؛ لأن لها موقعًا.

إن المنفق بالمال قد لا يمن ساعة العطاء، ولكن قد يتأخر المنفق بالمن، فكأن الحق سبحانه وتعالى ينبه كل مؤمن: يجب أن يظل الإنفاق غير مصحوب بالمن وأن يبتعد المنفق عن المن دائمًا، فلا يمتنع عن المن فقط وقت العطاء، ولكن لا بد أن يستمر عدم المن حتى بعد العطاء وإن طال الزمن.

إن «ثم» تأتى فى هذا المعنى لوجود مسافة زمنية تراخى فيها الإنسان عن فعل المن، فالحق يمنع المن منعًا متصلًا متراخيًا، لا ساعة العطاء فحسب، ولكن بعد العطاء أيضًا، وشوقى أمير الشعراء رحمه الله عندما كتب الشعر فى حمل الأثقال وضع أبياتًا من الشعر فى مجال حمل الأثقال النفسية، فقال:

أحملت دَيْنًا فى حياتك مرة؟ .. أحملت يوما فى الضلوع غليلا؟

أحملت مَنًّا فى النهار مُكَرَّرا؟ .. والليلِ مِن مُسْدٍ إليك جميلا؟

وبعد أن عدد شوقى أوجه الأحمال الثقيلة فى الحياة قال:

تلك الحياة وهذه أثقالها .. وُزِنَ الحديدُ بها فعاد ضئيلا