تحوّل مصطلح «الأعلى مشاهدة» فى السنوات الأخيرة من مؤشر حقيقى على النجاح الجماهيرى إلى شعارٍ يرفعه الجميع بلا استثناء. نجم يطلّ على جمهوره معلنًا أنه الأعلى مشاهدة، مطرب يؤكد أنه الأعلى استماعًا، فنان يفاخر بأنه الأعلى أجرًا، وآخر يتباهى بأنه الأعلى إيرادًا… حتى بات السؤال المشروع: من ليس الأعلى؟.. اللافت أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على مجال واحد، بل امتدت لتشمل الفن، والغناء، والدراما، ومواقع التواصل الاجتماعي، بل تجاوزت ذلك لتطال مجالات يفترض أنها بعيدة عن منطق الاستعراض، كالمجال الطبي، حيث بات بعض الأطباء يُصنَّفون - أو يُسوَّق لهم - باعتبارهم «الأغلى فى الفيزيتا»، وكأن ارتفاع المقابل المادى صار معيارًا للتميّز والكفاءة، لا الخبرة، ولا الأمانة، ولا جودة الخدمة.. وكأن الجميع يخوض سباقًا محمومًا على الأرقام، لا على القيمة. أرقام تُعلن دون معايير واضحة، ودون جهة محايدة تؤكد صحتها، فيتحول «الأعلى» من حقيقة قابلة للقياس إلى ادعاء قابل للتكرار بلا حدود.
ووسط هذا الزخم من الادعاءات، يظل الغائب الأكبر هو العقل النقدي؛ فلا أحد يسأل: أعلى مقارنةً بماذا؟ وعلى أى منصة؟ وفى أى توقيت؟ وهل الأرقام ناتجة عن تفاعل حقيقى أم حملات مدفوعة ومشاهدات عابرة بلا تأثير؟ فالأرقام، مهما بدت لامعة، قد تكون خادعة، لا تعكس بالضرورة حبًا حقيقيًا ولا قبولًا جماهيريًا صادقًا، بل أحيانًا مجرد ضجيج رقمى سرعان ما يختفى كما ظهر.. المشكلة الحقيقية لا تكمن فى السعى للنجاح أو الاحتفاء به، فذلك حق مشروع، بل فى تفريغ النجاح من معناه. عندما يصبح كل نجم «الأعلى»، وكل طبيب «الأغلى»، تفقد الكلمات قيمتها، ويفقد الجمهور ثقته فيما يُقدَّم له. فالنجاح الحقيقى لا يحتاج إلى لافتات يومية ولا إلى مقارنات مستمرة، بل يفرض نفسه بالاستمرارية والتأثير والاحترام.
الأخطر من ذلك أن هذه الهوجة تُرسّخ ثقافة سطحية، تُقاس فيها القيمة بعدد المشاهدات، أو بحجم الأجور، لا بالمحتوى، ولا بالجودة، ولا بالرسالة. وكأن الفن اختُزل فى أرقام، والإبداع فى إحصاءات، والطب فى تسعيرة، والجمهور فى عدّاد.
إن ما نشهده اليوم ظاهرة مؤسفة بالفعل، تحتاج إلى وقفة صادقة من الجميع، من نجوم الفن، وصنّاع المحتوى، بل ومن أصحاب المهن المؤثرة فى حياة الناس. فالتاريخ لا يتذكر من كان «الأعلى» فى أسبوع أو شهر، بل من ترك أثرًا حقيقيًا وبصمة لا تُمحى.
وفى النهاية، ليست المعركة على من يعلو رقمه أكثر، ولا من ترتفع فِيزيتُه أعلى، بل على من يعلو أثره ويبقى. فالمشاهدات تزول، والأرقام تتبدّل، والأسعار تتغير، لكن ما يبقى حقًا هو ما يمسّ الوجدان ويصمد أمام الزمن. وحده العمل الصادق هو الذى لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى لافتة تقول «الأعلى مشاهدة» أو «الأغلى سعرًا»، لأنه ببساطة… يُشاهَد، ويُحترم، ويُتذكَر.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







