بينما تضج الشوارع بحركتهم وضحكاتهم، يقفون فى الظل مثل «أشباح»؛ أجساد حية تدب على الأرض، لكنها فى نظر الدولة «عدم»، إنهم «ساقطو القيد»، أولئك الأطفال الذين لم يمنحهم آباؤهم تذكرة العبور إلى الحياة الرسمية «شهادة الميلاد»، فى الوقت الذى تؤكد فيه جهات رسمية أن ما يتراوح بين 7 إلى 10٪ من المواليد فى مصر لا تُسجل أسماؤهم فى السجلات، يواجه هؤلاء الصغار مصيرا مجهولا، مجردين من أبسط حقوقهم الدستورية التى تكفلها الدولة لكل طفل يولد لأبوين مصريين، سواء فى الداخل أو الخارج؛ تلك الورقة التى تمنحهم الهوية والانتماء.
تتجسد المأساة فى قصص حية وموجعة، ففى إحدى المناطق الشعبية بالقاهرة، يعيش «يوسف» (7 سنوات) رفقة جدته لأمه، بعد أن توفيت والدته أثناء الولادة وهجره والده، وعندما حاولت الجدة تدارك الأمر وتسجيله بعد سنوات، اصطدمت بالواقع المر؛ قيل لها إن المدة القانونية انقضت، وإن الأمر يتطلب إجراءات معقدة ومحاضر طويلة، بينما «يوسف» لا يفهم معنى مصطلح «ساقط قيد»، لكنه يدرك جيدا واقعه المؤلم، أنه ممنوع من دخول المدرسة، ويقف متفرجا بينما يحمل أصدقاؤه حقائبهم كل صباح.
وفى إحدى قرى الصعيد، نجد «أحمد» (12 عاماً) وقد استبدل بالقلم والكراسة أدوات النجارة.. لم يدخل الصبى المدرسة يوما لسبب بسيط: «لا يملك شهادة ميلاد»، توفى والده قبل تسجيله، ولم تكن والدته تملك بطاقة رقم قومى آنذاك، وحين حاولت الأم لاحقا استخراج أوراق له، أخبروها بضرورة رفع دعوى قضائية، وإثبات نسب، وتوفير شهود.. بحزن يقول أحمد: «نفسى أتعلم القراءة والكتابة.. بس قالوا لازم شهادة».
أما «سلمى» (5 سنوات)، فهى ضحية أخرى لعرف «زواج السنة» فى الأرياف، حيث تزوج والداها وهما قاصران (أطفال)، وبعد إنجابها عجزا عن تسجيلها لعدم امتلاكهما بطاقات شخصية، والنتيجة طفلة بلا أوراق، بلا مدرسة، وبلا تأمين صحى، وتلخص الأم المأساة بكلمات مقتضبة: «احنا غلطنا.. بس البنت مالهاش ذنب تدفع ضريبة العادات الغلط اللى اتربينا عليها».
قانون «العرف» واغتيال المستقبل
مآسى الظل
فى تحليلها لهذه الظاهرة، تؤكد د. هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الزقازيق، أن قصص «ساقطى القيد» حقيقية ومتفشية، لا سيما فى الأرياف، وترجع ذلك غالبا لزواج القاصرات حيث لا يملك الأبوان أوراقا رسمية، وتلفت إلى حالات أخرى معقدة، كأن يتزوج شاب من الصعيد ويعيش فى القاهرة، فيؤجل تسجيل طفله عاماً تلو الآخر بحجة رغبته فى تسجيله بمسقط رأسه.
وتضيف د. هدى بعداً آخر للمأساة: «فى القرى يزوجون الفتاة فى سن 14 والولد فى سن 18، ويتعمدون عدم التسجيل وإسقاط القيد العائلى للتهرب من تجنيد الابن، ناهيك عن أن الزواج نفسه غير موثق»، وتحذر من أن الأهالى لا يدركون أنهم بذلك يغتالون مستقبل أطفالهم، قائلة: «المواطنون فى القرى يرتبون حياتهم وفقاً للعرف لا القانون، وهذا العرف يضيع حقوق الأطفال بشكل مرعب.. إذا حاولنا تطبيق القانون الرسمى نصطدم بثقافة الثأر والخوف، لنواجه ازدواجية بين قانون رسمى غير مفعل وقانون عرفى سائد».
وتشرح زكريا النتائج الكارثية لهذا الوضع: «الطفل غير المسجل لا يرث، لا يتعلم، وكأن السجل المدنى يقول له (أنت ميت). حتى عندما يكبر، لن يستطيع استخراج أوراق للسفر أو العمل.. المشكلة لا تتوقف عند التعليم والصحة، بل تمتد حتى لحظة الموت؛ فالعالم لا يعترف إلا بالورق».
وتضيف أن هؤلاء الأطفال لا يشعرون باختلافهم فى صغرهم لسيادة النمط نفسه حولهم، لكن المشكلة تتفاقم عند الحاجة لورقة رسمية، فيلجأ الأهالى لـ «التسنين» (تزوير العمر) إما لتزويج القاصرات أو لعمالة الأطفال، مما يخلق بيئة خصبة للجريمة لكون هؤلاء الأشخاص «غير موجودين رسمياً» ولا يمكن إدانتهم أو حمايتهم.
شهادة الميلاد حق
يقول أحمد مصيلحى رئيس شبكة الدفاع عن الطفل بنقابة المحامين: «مبدئيا أى طفل يولد على أرض مصر مهما كان الأب والأم له الحق فى الحصول على شهادة ميلاد وأوراق ثبوتية وجنسية، مرورا بالحقوق المدنية والاقتصادية المعروفة ومنها سكن وتعليم وعلاج مهما كانت ظروف الطفل.. فى الحالات الطبيعية يكون الأب هو المسئول عن تسجيل الطفل وإذا لم يكن موجود فينوب عنه شقيقه أو والده، أو أم الطفل ومعها الأوراق المطلوبة، وفى حال عدم قدرتها على التسجيل تدخل فى مرحلة أخرى وهى إقرارها بأن هذا الطفل ابنها، وفى هذه الحالة تضع الأحوال المدنية اسما افتراضيا لأب الطفل لحين إثبات علاقه زوجية وإحضار أب حقيقى للطفل، وفى هذه الحالة يجب استخراج شهادة ميلاد للطفل حتى لو لم تتوافر وثيقة زواج رسميه أو عرفية، وهنا الأحوال المدنية للأسف يعوقها أن القانون ينص على أنه لكى يتم تسجيل الطفل يجب أن يكون هناك علاقة حقيقية وأوراق كاملة، وهنا نطالب بتعديل القانون لأن الطفل ليس له أى ذنب وأبسط حقوقه أن يكون له ثبوتية، ثم يقوم الأب والأم بعد ذلك بعمل إجراءات إثبات نسب الطفل».
ويضيف: «أما إذا كان الطفل ولد نتيجة اعتداء تكون المشكلة كبيرة جدا تتدخل النيابة فى الموضوع وأحيانا يكون الأب والأم تحت 18 سنة لابد وأن يتم تسجيل الطفل باسم الأب والأم حتى لو كانوا تحت السن، لأن هذا الصغير لا يجب أن يؤخذ بذنب أبويه، فهما مسئولان ومن بعدهما المأذون أو المحامى أو أى شخص ساعد فى إتمام هذه الزيجة، ويختلف الأمر إذا كان الأب والأم فقط هما هذه الجريمة وهى الزواج المبكر ويعاقب فيها والد الفتاة بتهمة تعريض الأطفال للخطر ويعاقب عنها بستة أشهر سجن، أما فى حال حصوله على مقابل مادى تعتبر جريمة استغلال أطفال وتصبح العقوبة السجن لمدة ٥ سنوات، وإذا كان الزوج بالغ والفتاة قاصر تقع عليه جريمة الاستغلال الجنسى لطفلة».
ويوضح: «فى حال عاش الطفل طوال حياته بدون شهادة ميلاد أو بطاقة شخصية أو أى أوراق رسمية وقت وفاته تكون مثل وقت الميلاد تماما وتصدر له شهادة وفاة وكأننا نصدر له شهادة ميلاد ووفاه فى نفس الوقت».
ويتمنى مصيلحى أن يتعاون موظفو الأحوال المدنية قليلا مع المواطنين لتسهيل الصعوبات، لأن ما يحدث القانون برىء منه لأن القانون يمنح حق للطفل أن يكون له شهادة ميلاد مهما كانت الظروف والمفترض أن يساعد الموظفون بكل قوتهم، وقانون الأحوال المدنية يجب أن يتم تعديله حتى يتفق مع قانون الطفل المصرى فيما يتعلق بإثبات العلاقة الزوجية بكافة الطرق، وعلينا جميعا كإعلام ومجتمع مدنى ومهتمين بالقضية أن نعمل على توعية المجتمع بخطورة الزواج المبكر ومشاكله، ونضع استراتيجية تطبق على أرض الواقع لحل المشكلة، لأن الأطفال ليس لهم ذنب فى أى شىء حتى إذا أخطأ الأهل لا يجب على الأبناء أن يدفعوا الثمن».
ساقط قيد
تحكى هانم محمد، الموظفة بأحد مكاتب الصحة، عن طبيعة الحالات التى تصادفها أثناء العمل، مشيرة إلى وجود عدد من النساء المتزوجات دون السن القانونية، وهو ما يجعل أولادهن فى وضع «ساقط قيد»، فعند إنجابهن، يواجهن أزمة كبيرة فى تسجيل أبنائهن واستخراج شهادات الميلاد، وما يترتب على ذلك من صعوبات فى حصول الأطفال على التطعيمات الأساسية.
وتوضح أن تسجيل الطفل فى هذه الحالات يتطلب حضور الزوج والزوجة والطفل إلى مكتب الصحة، مع إحضار البطاقات الشخصية وقسيمة الزواج، وملء نموذج مخصص داخل المكتب، إلى جانب تقديم صور للطفل، ثم عرض الأوراق كاملة على لجنة مختصة للنظر فى طلب استخراج شهادة الميلاد، وتشير إلى أنه إذا تجاوزت مدة التسجيل القانونية، والمحددة بخمسة عشر يوما من تاريخ الولادة، يصبح من الضرورى إحضار شهادة من شيخ الحارة المسئول عن المنطقة التى يقيم فيها الزوجان، لإثبات أنهما متزوجان ويعيشان معا كزوج وزوجة بشكل طبيعى.
أما فى الحالات التى يمتد فيها التخلف عن التسجيل لسنوات، فتختلف الإجراءات قليلا، إذ يصبح إحضار ما يثبت حدوث الولادة داخل المستشفى ضمن الأوراق الأساسية المطلوبة.
وتضيف: «كثير من الحالات التى ترد إلى مكتب الصحة تتعلق بزوجات يسافر أزواجهن إلى خارج البلاد، أو بأزواج يمتنعون عن تسجيل أبنائهم بسبب خلافات زوجية، حيث يستخدم الأب التسجيل كورقة ضغط على الأم. وفى أحيان أخرى تكون والدة الزوج هى السبب فى منع ابنها من تسجيل الطفل، إما بقصد تعذيب الزوجة أو لكون المولود أنثى بينما كانت الأسرة ترغب فى ذكر، وفى مثل هذه الحالات تضطر الأم إلى تحرير محضر رسمى، وإحضار قرار من وكيل النيابة يثبت نسب الطفلة، ليتم تسجيلها فورا، بالإضافة إلى وجود حالات يكون الزواج فيها عرفيا إلى أن تبلغ الفتاة السن القانونية».
وتؤكد أن هذه الأسباب مجتمعة تؤدى إلى تخلف الأطفال عن مواعيد التطعيمات الأساسية التى يحتاجون إليها خلال الشهور والسنوات الأولى من العمر، وتوضح أنه إذا تجاوز الطفل مواعيد جميع الجرعات المقررة، يتم تحويله إلى مكتب صحة الدمرداش، حيث يحصل على أنواع مختلفة من التطعيمات تتناسب مع عمره الحالي، أما إذا حضرت الأم بالطفل وكان عمره لا يتجاوز عاما ونصف العام، فتقول إنها تستطيع اتخاذ إجراءات بديلة ومنحه بعض التطعيمات والجرعات التى تلائم سنه.
الثغرة القانونية والمسئولية الضائعة
من الزاوية القانونية، يوضح محمد منيب، المحامى بالنقض، أن عدم تسجيل الأطفال مخالفة صريحة لقانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994، الذى يلزم بتسجيل المولود خلال 15 يوماً، وتقع المسئولية بالتدرج على: الأب، ثم الأم، ثم الأقارب من الدرجة الأولى، أو الجهة الطبية التى باشرت الولادة.
ويشير «منيب» إلى أنه فى حال تأخر التسجيل، يُصنف الطفل كـ «ساقط قيد»، مما يحرمه من الرقم القومى والخدمات الأساسية، وإن كان الطفل نفسه لا يعاقب قانونياً. ويضيف: «يمكن تدارك الأمر عبر لجان قيد المواليد المتأخرين والسجل المدني، لكن الأمر يتطلب إجراءات مثل شهادات طبية وشهود لإثبات النسب، وقد تتعقد الأمور فى حالات الولادة المنزلية أو الزواج غير الموثق، مما يستلزم اللجوء للقضاء، فالدولة ملزمة دستورياً بتسجيل كل طفل».
لكن «منيب» يكشف عن ثغرة خطيرة: «إذا لم يرغب الأهل فى تسجيل الطفل، لا يوجد نص قانونى يدينهم أو يعاقبهم بشكل مباشر. فالقانون الحالى لا يجرم الأهل على الامتناع عن التسجيل، والشرطة تتعامل مع الشخص غير المسجل كشخص (بدون إثبات شخصية) فقط، وهؤلاء الأطفال يتحولون إلى وقود لجرائم مثل تجارة المخدرات والأعضاء، لأنهم أشباح بلا أثر قانونى».
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







