في كثير من الأحيان لا يبدو التنمر في مكان العمل كاعتداء صريح أو إساءة مباشرة، بل يظهر في صور أكثر هدوءا وخطورة، والتي تتمثل في نظرة استخفاف، تجاهل متعمد، ضغط دائم بلا مبرر، أو ملاحظة عابرة تترك أثرا نفسيا طويل الأمد، ومع تكرار هذه التفاصيل الصغيرة، يتحول مكان العمل من مساحة إنجاز واستقرار إلى مصدر قلق واستنزاف نفسي، دون أن يجد المتضرر دليلا واضحا يبرر شعوره، هذا النوع من التنمر الصامت هو الأخطر، لأنه يتخفى خلف روتين يومي مألوف، ويقنع ضحاياه بأن ما يعانونه أمر طبيعي إلى أن تتآكل صحتهم النفسية وثقتهم بأنفسهم تدريجيا.
ووفقا لما جاء في موقع «تايمز أوف إنديا» فإن اللافت في التنمر نادرا ما يكون دراميا أو واضحا، فهو يحدث في مواقف يومية مألوفة، اجتماع يقاطع فيه شخص باستمرار، ملاحظة علنية تقلل من الجهد المبذول، موعد نهائي غير واقعي يقدم كاختبار للالتزام، أو إقصاء صامت من نقاشات مهمة، ومع تكرار هذه الأنماط، يتآكل الإحساس بالأمان العاطفي داخل العمل.
اقرأ أيضا| بعد واقعة هزت المجتمع.. النيابة العامة ترافق الطفلة حور في أول أيام عودتها للمدرسة
ويؤكد مختصون في الصحة النفسية أن الجسد غالبا ما يكون أول من يلتقط الإشارة، من القلق المستمر، التوتر قبل التفاعل مع شخص بعينه، أو الإحساس الدائم بالجمود رغم ثبات الكفاءة المهنية، كلها مؤشرات على أن المشكلة ليست في الأداء، بل في العلاقة المهنية نفسها.
ترى المستشارة النفسية أنانديتا فاغاني أن التنمر يزدهر حين يصبح السلوك غير المريح «طبيعيًا» وغير مسمى، وتشير إلى أن وضع حدود عملية وهادئة قد يكون أكثر فاعلية من المواجهات المباشرة.
اقرأ أيضا| تفاصيل محاكمة المتهمين بالتنمر على الطفل جان رامز على مواقع التواصل
من بين هذه الأساليب: استخدام لغة محايدة تركز على المهام، طلب تحديد الأولويات عند تصوير كل شيء على أنه عاجل، تحويل المحادثات الشفهية إلى مكتوبة، أو طلب ملاحظات واضحة ومحددة بدل التوبيخ العام.
كما يعد التعدي على الوقت الشخصي خارج ساعات العمل أحد أكثر أشكال تآكل الحدود شيوعًا، واللافت أن مقاومة هذا السلوك لا تتطلب صدامًا، بل يمكن أن تتم عبر ردود هادئة، وتأجيل غير اعتذاري، وتحديد مواعيد واضحة للتنفيذ، بما يفرض هيكلا مهنيا دون تحد مباشر.

من جهتها، تشير الأخصائية النفسية السريرية مهيزابين دوردي إلى أن التنمر يستمر غالبًا ليس بسبب ضعف الضحية، بل نتيجة غياب حدود واضحة أو مدعومة، وتوضح أن الأبحاث تجمع على أن هذه السلوكيات تنتشر في البيئات التي يساء فيها استخدام السلطة، ويغيب فيها التواصل الواضح، وتنعدم السلامة النفسية.
وتقترح دوردي مجموعة من الحدود البسيطة والفعالة، من بينها: تسمية السلوك المؤذي بهدوء ودقة، الانتقال من الشرح المفرط إلى التصريح الواضح، توثيق الوقائع بدل الانجراف وراء المشاعر، تكرار الحدود بثبات دون عدائية، والأهم إدراك اللحظة التي لا تعود فيها الحدود الفردية كافية، ليصبح التصعيد المؤسسي أو التفكير في المغادرة قرارًا مرتبطًا بالصحة النفسية لا بالفشل.

ويرى الكاتب ورائد الأعمال سانجاي ديساي أن رفاهية الموظفين لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيا عبر حوادث صغيرة يسهل تجاهلها، ويضيف أن كثيرين يتجنبون وضع الحدود خوفًا من وصمهم، فيلجأون للتكيف والتبرير، بينما تستنزف كرامتهم المهنية بصمت.
ومع توسع مفهوم النفوذ ليشمل الزملاء ورواد الإنترنت، لم يعد التنمر حكرا على المدراء، وفي هذا السياق، يؤكد مختصون أن الحدود قد لا تغير الآخرين، لكنها تحمي الاتزان النفسي، وتحافظ على الشعور بالعدالة والاستحقاق داخل بيئة العمل.

اكتشاف مذهل في باطن الأرض.. فطريات تحمي الحياة منذ 475 مليون عام
كأس العالم 2026.. نصائح صحية لعشاق كرة القدم عند المشاهدة
باحثون أمريكيون يرصدون رياحًا ساخنة من ثقب أسود في مجرة درب التبانة





