في ظل التسارع غير المسبوق للتطور العلمي والتكنولوجي، يطرح كتاب «الرحم الاصطناعي.. عالم ما بعد التكاثر البشري» للدكتور الدكتور جمال سند السويدي رؤية فكرية وعلمية عميقة لقضية تُعد من أخطر القضايا التي قد تواجه البشرية في المستقبل القريب.
الكتاب لا يتعامل مع الرحم الاصطناعي بوصفه ابتكاراً طبياً معزولاً، بل يضعه في سياقه الحضاري الشامل، باعتباره تحولاً قد يعيد تشكيل مفاهيم الإنجاب، والأسرة، والهوية الإنسانية، وربما معنى الوجود البشري ذاته.
ينطلق المؤلف من ملاحظة جوهرية مفادها أن الاهتمام المتزايد بتقنية الرحم الاصطناعي لم يعد مقتصراً على الأوساط العلمية، بل بات موضوعاً متداولاً في الإعلام، ومثار نقاش أخلاقي وديني وقانوني واسع. ويعزو هذا الاهتمام إلى التقدم الكبير الذي حققته البحوث العلمية في هذا المجال، خصوصاً مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في إدارة ومراقبة العمليات الحيوية المعقدة.

- تقليل مخاطر الولادة المبكرة
ورغم أن الاستخدام الحالي لهذه التقنية يتركز أساساً في إنقاذ الأطفال الخدّج وتقليل مخاطر الولادة المبكرة، فإن المؤلف يرى أن هذا ليس سوى بداية لمسار أطول قد ينتهي بنقل عملية الحمل كاملة إلى خارج الجسد البشري.
ويؤكد السويدي أن هذا الاحتمال يضع البشرية أمام مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«مرحلة ما بعد التكاثر البشري»، حيث لم يعد الحمل والإنجاب مرتبطين بالضرورة بجسد المرأة، وهو ما يفتح الباب أمام تحولات اجتماعية وثقافية جذرية.
ويستحضر المؤلف في هذا السياق نبوءات مبكرة وردت في أدبيات الخيال العلمي منذ مطلع القرن العشرين، تنبأت بعالم يتم فيه الاستغناء عن الزواج التقليدي، ويُدار فيه التوالد داخل مختبرات مغلقة، في مشهد كان يبدو آنذاك ضرباً من الخيال، لكنه اليوم يقترب شيئاً فشيئاً من الواقع.

- محاكاة البيئة الطبيعية للرحم البشري
ويخصص الكتاب مساحة واسعة لشرح ماهية الرحم الاصطناعي ومكوناته العلمية، موضحاً أنه منظومة تقنية شديدة التعقيد، تهدف إلى محاكاة البيئة الطبيعية للرحم البشري بأدق تفاصيلها، وتشمل هذه المنظومة بديلاً للسائل الأمنيوسي، ومشيمة اصطناعية لتغذية الجنين وإمداده بالأكسجين، وأنظمة دعم ميكانيكي واحتواء، إلى جانب آليات للحماية المناعية، وأنظمة متطورة للمراقبة والتحكم تعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي، ويشير المؤلف إلى أن هذه العناصر مجتمعة تجعل من الرحم الاصطناعي «حقيبة حيوية تقنية» قادرة، نظرياً، على احتضان الجنين منذ التلقيح وحتى الولادة.
ويربط المؤلف هذا التطور بسياقه التاريخي، مؤكداً أن فكرة التولد خارج الرحم ليست وليدة العصر الحديث، بل لها جذور فكرية قديمة، تعود إلى تأملات علماء مثل ابن النفيس، وإن كانت بمفاهيم عصرهم المحدودة. أما الصيغة الحديثة للفكرة، فقد بدأت تتبلور في أوائل القرن العشرين، وتطورت عبر مراحل متعددة، من الحضانات البدائية، إلى التجارب المتقدمة التي أُجريت في الولايات المتحدة وأوروبا والصين خلال العقود الأخيرة، ويبرز المؤلف محطات علمية مفصلية، مثل نجاح تجارب إبقاء أجنة حيوانية حية خارج الرحم الطبيعي، وتطوير أرحام اصطناعية مزودة بأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على مراقبة نمو الأجنة بدقة عالية.

- حل جذري لمشكلات العقم
ولا يغفل الكتاب الإيجابيات الكبيرة التي قد تترتب على نجاح هذه التقنية، إذ يرى المؤلف أن الرحم الاصطناعي قد يمثل حلاً جذرياً جدل مشكلات العقم، ويسهم في خفض معدلات الإجهاض والإملاص، ويحمي الأجنة من الأمراض والعدوى، ويُنقذ حياة آلاف النساء اللواتي يفقدن حياتهن سنوياً بسبب مضاعفات الحمل. كما قد يتيح للنساء الإنجاب في سن متقدمة، ويفتح آفاقاً جديدة لعلاج الأمراض الوراثية ومنع انتقالها للأجيال القادمة، بل ويساعد بعض الدول على مواجهة أزمات التراجع السكاني.
اقرأ ايضاً : طفرات تُنهي عصر «الكيماوي».. القاهرة عاصمة العالم في مواجهة السرطان
إلا أن المؤلف، في المقابل، يحذر من أن هذه التقنية تحمل وجهاً مظلماً لا يقل خطورة عن وعودها الإيجابية. فمن أخطر ما قد يترتب عليها، برأيه، تحويل البشر إلى «منتجات» تُصنّع وفق مواصفات محددة، واحتكار عملية الإنجاب من قبل دول أو شركات كبرى، ما قد يؤدي إلى نشوء أنماط جديدة من الصراعات الدولية. كما يحذر من احتمال استخدام البشر المصنَّعين في أدوار أو وظائف محددة، بما يفرغ الإنسان من قيمته الأخلاقية ويحوّله إلى مجرد أداة.
- تساؤلات قانونية معقدة
ويتوقف المؤلف مطولاً عند التأثيرات الثقافية والدينية والاجتماعية للرحم الاصطناعي، معتبراً أنها ربما تكون الأخطر على الإطلاق. فاختلاط الأنساب، واختلال التوازن الديموغرافي بين الذكور والإناث، وتآكل مفاهيم الأمومة والأبوة، وتغيير الأدوار الجندرية، كلها نتائج محتملة قد تُحدث شرخاً عميقاً في بنية المجتمعات، كما يثير تساؤلات قانونية معقدة حول هوية الطفل، ومن يُعد أباً أو أماً له، وما إذا كان القانون قادراً على استيعاب هذه التحولات دون المساس بكرامة الإنسان.

وفي هذا الإطار، يؤكد السويدي أن الجدل الأخلاقي والديني حول الرحم الاصطناعي لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه، مشدداً على ضرورة أن يكون التعامل مع هذه التقنية جامعاً بين العلم والشرع والأخلاق، ويرى أن التقدم العلمي، مهما بلغ، لا ينبغي أن يكون مبرراً لتجاوز القيم الإنسانية الأساسية، وأن ضبط استخدام الرحم الاصطناعي يتطلب أطرًا قانونية وأخلاقية واضحة، على المستويين الدولي والعربي.

ويختتم المؤلف كتابه بالتأكيد على أن البشرية مقبلة، على الأرجح، على عالم مختلف جذرياً في ما يتعلق بالتكاثر والإنجاب، وأن الاستعداد لهذا العالم لا يكون بالرفض المطلق ولا بالانبهار غير الواعي، بل بالتخطيط العلمي الرشيد، والتعاون الدولي، وبناء الوعي المجتمعي، الرحم الاصطناعي، كما يخلص الكتاب، ليس مجرد إنجاز علمي، بل اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على الموازنة بين طموحه في السيطرة على الطبيعة، ومسؤوليته في الحفاظ على إنسانيته.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







