هو السر الذى ترفض الأرض إفشاءه بالكامل، فلا هو يُزرع بيد إنسان، ولا هو ينمو إلا بشروط الطبيعة القاسية.. رحلة تبدأ ببرق فى السماء، وتنتهى بلمسة ملكية على طبق، وما بينهما حكايات من الصبر والمغامرة تحت شمس الصحراء.
فى أعماق الصحارى العربية وفى غابات أوروبا، مغامرون يبحثون عن ربح من نوع مختلف، مستخدمين كلابا مدربة للوصول إلى كنز يختبئ تحت التراب، ليس ذهبا ولا بترولا، إنه «الترافل» الذى جعل الطهاة يتشوقون لرائحته النفاذة، وأصبح تريند على موائد الأغنياء، أما فى العالم العربى، فـ «الفقع» أو الكمأ هو هدية المطر للصحراء.
«الترافل» ليس مجرد فطر، لكنه نبات «عنيد»، لا يُزرع بإرادة الإنسان، فلا يختار توقيت الزراعة ولا مكانها، الفطر يختار مكانه بعناية فى ظروف هو يحددها، وهذا ما يجعل سعره يصل لآلاف الدولارات للكيلو الواحد.
ويقدم الترافل فى المطاعم المصرية الفاخرة بأسعار مرتفعة جدًا، حيث يقف «الشيف» يمسك بمبشرة فضية، وقطعة الترافل، وبحذر شديد يبدأ ببشر قشور رقيقة جدا من الترافل، فوق أطباق المكرونة أو البيض، وأيضا أطباق اللحوم، وفى هذه اللحظة تسيطر الرائحة على المكان، تجمع بين رائحة تراب الأرض بعد المطر ورائحة المسك والخشب، طعم لا يوجد له مثيل، يحول أبسط أكلة لوليمة ملكية.
فطر الترافل، لا يباع فى الأسواق، ولكن له بورصته الخاصة، والزبون الذى يقدر سعره، حيث يبدأ سعره من 360 ألف جنيه للكيلو الواحد، حسب نوعه.. ويصل سعر الترافيل لـ 5 آلاف دولار للكيلو الواحد بسبب ندرته، ويحتاج من 7 إلى 10 سنوات لكى ينمو تحت جذور شجرة «بلوط»، ولا تزيد صلاحيته بعد الجمع على 10 أيام، وبعدها يفقد قيمته ورائحته.
لا يتاجر فى «الترافل» تجار عاديون، وإنما أباطرة، ويشبه سوق «الترافل»، أفلام الجاسوسية، حيث تتحكم فى سعره مزادات عالمية، وهناك أنواع تباع بالحبة الواحدة، بسعر سيارة جديدة، أما الصيادون فبينهم منافسة شرسة، ويخفون «مناجمهم» السرية حتى عن أقرب الناس لهم. وللترافل أيضا سوق سوداء، حيث يتم التلاعب بين أنواعه، وبيع الترافل الصينى على أنه فرنسى فاخر. وفى إيطاليا وفرنسا، يخرج صيادو الترافل فى نصف الليل وتحت أضواء القمر، حتى لا يعرف أحد أماكن المناجم السرية، ويقوم بعضهم بتسميم كلاب المنافسين. وفى مصر يوجد الترافل فى مطروح من منطقة «الحمام» وحتى «السلوم»، حيث تعد «البطل الأول»، أما بدو مطروح فهم خبراء فى تتبعه واستخراجه من تحت الرمال.
وفى شمال سيناء يسمى «الفقع» ويوجد فى «الشيخ زويد»، و»رفح» ووسط سيناء، كما يوجد فى الصحراء الغربية فى المناطق التى ينمو فيها نبات «الرقروق»، الذى يعتبر العائل الأساسى للترافل.
أما أنواعه المتوافرة فى مصر فهى، الزبيدى الأبيض وهو الأغلى والأكثر طلباً، ويميل لونه للبياض، و يصل حجمه لحجم ثمرة البطاطس الكبيرة، وطعمه غنى جداً، كما يوجد الخلاسى «الأحمر»، ويميل لونه للبنى المحمر، وحجمه أصغر وقشرته أقوى، وله نكهة مميزة جداً.
ويبدأ موسم «الترافل» أو «الترفاس» فى مصر، من يناير وحتى مارس، وهو وقت سقوط المطر، ويعتمد البدو على الفراسة للوصول له، لأنهم لا يمتلكون الكلاب المدربة، فيبحثون عن شقوق فى الأرض تسمى «الفقع» وعندما يلاحظون وجود نبات «الرقروق» يجدون الترافل بالقرب منه.وفى مطروح توجد «سياحة الترفاس» التى توفر تجربة البحث فى الصحراء، وطبخه بالطريقة البدوية «مشوى فى جمر النار أو مطبوخ مع اللحم والأرز».. ويختلف سعره فى مصر حسب المواسم وحجم المحصول، ويباع للمطاعم الكبرى، وأحيانا يتم تصديره إلى الخليج.
وكشفت د. ولاء أبو الحجاج استشارية التغذية والعلاج الطبيعى بجامعة القاهرة أن للترافل أنواعا كثيرة، ويختلف لونه بحسب التربة التى نشأ فيها، فإذا كان بجانب شجرة صنوبر يكون لونه أبيض، أما إذا كان بجانب البلوط فيميل لونه إلى الأسود.
وأضافت أن للترافل فوائد لا تحصى، وبه فيتامين (د) بكمية كبيرة، مما يجعله صحيا جدا خصوصا إذا تم تناول 30 جراما مع البروتين مثل البيض أو اللحوم، ويزيد من معدل حرق الدهون، كما أنه مضاد للأكسدة، ويحمى من الإصابة بتصلب الشرايين والسرطانات، ويساعد على الشفاء من أمراض القولون.
وأضافت أنه يحتوى على فيتامينات مضادة للشيخوخة، مثل الماغنسيوم والزنك والبروتين النباتى بنسبة عالية.
وفى اليونان القديمة، كانت هناك أسطورة الصاعقة، حيث كان الناس يعتقدون أن «الترافل» ينبت عندما يضرب برقُ السماء الأرض المبتلة، ولذلك سمى بنبات الرعد، أما الكنيسة وقتها فحرمت أكله ومنعت الرهبان منه لأنه مثير للشهوة ومخالف للزهد.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







